المقالات الفكرية

حتّى لا تغرق السّفينة

بدر العبريّ، جريدة عمان، 10 جمادى الأولى 1448هـ/ 21 أكتوبر 2026م

هناك فارق كبير بين أن يفكّر الإنسان بعقل الإحياء وبين أن يفكّر بعقل الدّمار والحروب. وهناك فارق بين أن يؤنسن الإنسان رؤيته اتّجاه الذّات والآخر ليفرح ويسعد بأيّ سلم واستقرار وتنمية في أيّ جزء من الأرض، وبين أن يعيش في انتماءات مغلقة، وثنائيّات مفرّقة، وأن يسعى لاستقرار بلده من خلال دمار بلدان أخرى، ونهب خيراتهم، وسلب أمنهم واستقرارهم. وهناك فارق أيضا بين من يعيش حاضره وفق معرفة وعقل الحاضر، وبين من يريد أن يعيش النّاس بعقل الماضي، بين من يبحث عن النّهضة والإحياء بأدوات اليوم، وبين من يتغنى لماضيه، ويحيي صراعات تأريخيّة لا قيمة لها اليوم.

عندنا ثلاث سفن مترابطة، سفينة عالميّة، وسفينة قوميّة، وسفينة وطنيّة قطريّة. الحكيم من يسعى إلى صلاحها، فأيّ خرق فيها يؤثّر غرقها على الجميع، كان قريبا أم بعيدا، فهناك سنّة واحدة جامعة بين الكلّ، والجميع محكوم بهذه السّنن، ضرر تجاوز هذه السّنن يعمّ من الأرض، لا يشفع له دينه ولا لغته ولا هويّته، فالمرض مثلا إن لم يلتزم الجميع بالوقاية منه يصيب الكلّ، والحروب ضررها يشمل البعيد قبل القريب.

في سفينة العالم يتحرّر الإنسان من كلّ انتماء يلغي الآخر، ويتمايز عنه، كان عرقا أو دينا أو لغة أو ثقافة، أيّا كان بلده وقطره، وأيّا كان توجهه ولونه. هناك فارق بين أن يعتزّ الإنسان بانتماءاته، وبين أن يرهن بقاء الآخر وسعادته وحقوقه لانتماءاته. فالاعتزاز حقّ طبيعيّ، بيد أنّه يصبح بلاء إذا رهن العقل الجمعيّ به، وتحول إلى أدوات سياسيّة يؤمن به ضعفاء عقول السّاسة، فيتحول من تنوع وثراء طبيعيّ، إلى صراع وكراهيّة يؤدّي إلى العنف والإقصاء والاستبداد والحروب.

الّذي يركب سفينة العالم يركبها كذات إنسانيّة، الجميع فيها سواسية، تنوعهم الثّقافيّ والعرقيّ يخلق فيها جمالا وثراء ومتعة، يظهر أثره على السّياحة والأدب والسّينما والجدل المعرفيّ. فمن يصعد هذه السّفينة كالّذي يركب طائرة، أو يقود حافلة كبرى إلى بلدان مختلفة، لا يسأل عمّا يحمله ركّابها من تنوع ثقافيّ ومعرفيّ بقدر ما يدلّه على ماهيّته، هنا يشعر الجميع بالأمان فيهما، لا يُمايز بينه وبين من يشاركه التّنقل والسّفر.

لو شعر الجميع بأهميّة سفينة العالم، واستبدلوا خطابات الكراهيّة والتّمييز بين البشر، والثّنائيّات القاتلة، وراجعوا خطاباتهم الدّينيّة والثّقافيّة، وتجاوزا ما فيها من أحداث ماضويّة دعت إلى الكراهيّة والعنف، وما كان من ذاكرة قريبة تحمل أحداثا سلبيّة؛ لأثرّ هذا على السّياسيّين على المدى البعيد، فالأفكار إذا لم تخلق من الأسفل من العقلاء والحكماء؛ سوف يملأ فراغها المنتفعون من الأعلى، كانت المنتفعون رهبانا أم تجّارا أم سياسيّين أم غيرهم.

فإذا لم يستطع الإنسان كبح جماح ما يحدث من خرق سفينة العالم، من بثّ خطابات الكراهيّة، وإشعال الحروب، والتّمييز بين البشر، عليه أن يحافظ على ما يجمع بينه وبين الآخر في الثّقافة واللّغة والتّأريخ والجغرافيا، أي السّفينة القوميّة، ركّابها – وإن اختلفت أعراقهم وبلدانهم وأديانهم ومذاهبهم – هي صمّام أمان للجميع، وأيّ فوضى واحتراب ودمار فيها سيكون الأقرب المنتمي إليها أكثر ضررا بسبب ذلك، وأيّ استقرار ونمو فيها؛ سيكون مستفيدا من ذلك أيضا.

العاقل الحكيم هو من يساهم في كبح جماح من يدعو إلى الفوضى والكراهيّة والعنف والاحتراب في هذه السّفينة القوميّة، ولا يساهم في خرقها بقلمه أو فنّه أو من خلال منصبه ووظيفته، بل يكون مدركا تمام الإدراك لأهميّة إحيائها وتمنيتها واستقرارها، وأنّ نفع ذلك يعمّ الكلّ.

فإذا فشل ذلك أيضا لغلبة السّياسيّين والمنتفعين، فأشعلوا الحروب، وبثّوا خطابات العنف والكراهيّة والتّمييز؛ على العقلاء والحكماء أن يتمسّكوا بالسّفينة الوطنيّة القطريّة، فهي الخيط الأخير في هذا البحر المتلاطم بالفوضى والاحتراب، وأيّ خرق في هذه السّفينة لن يكون له قيمة في العالم أجمع، فهي بيته الآمن، وبيت أبنائه وأحفاده وأجيالهم، وإن ضاق العيش فيها، لكن رحابة الوطن وحضنه أوسع بكثير.

عليه ابتداء أن يدرك أنّ هذه السّفينة الوطنيّة القطريّة تقوم على الوحدة الوطنيّة، فلا توجد دولة في العالم في الجملة ذات هويّة واحدة، فطبيعيّ أن يكون لها هويّات وانتماءات وثقافات مختلفة، لكن يجمع الجميع هويّة الوطن كذات واحدة، فإذا ما خرج عن هذه الذّات الجامعة إلى الهويّات المفرّقة، قد يدخل – لا قدّر الله – في احتراب أهليّ وطائفيّ داخليّ، ومن يدخل في الاحتراب بين المكونات الدّاخليّة، ليس كمن يدخل في احتراب مع مكونات من الخارج، فالأولى يصعب الخروج منها، وتدمّر كلّ شيء، وتوقف حركة زمن التّنمية والنّهضة والإحياء لعقود طويلة، لتعيش بسبب ذلك أجيال في الجهل والمرض والفقر بلا ذنب لما جرّه إليها المنتفعون، وأصحاب العقول القاصرة.

المتأمل في عالم اليوم ووضعنا نحن العرب فيه، يجده لا يخرج عن هذه السّفن الثّلاثة، فسفينة العالم تتصارع فيها أقطاب شرقيّة وغربيّة لمصالح سياسيّة واقتصاديّة واستعماريّة مبطنة، مع تنامي لليمين المتطرّف بشكل أوسع، وفرض لثقافات وأيدولوجيّات عن طريق الرّقميّات والذّكاء الاصطناعيّ.

وأمّا سفينتنا القوميّة فيرثى لها، أصبح غالب عالمنا العربيّ متراجعا في المعرفة والنّتاج والصّناعة والإحياء والاستثمار، وأشغلته دمار العديد من دوله، والصّراعات الأهليّة فيه، وكثرة المشرّدين من أبنائه، مع تنامي الخطابات الدّينيّة والحركيّة الأيدلوجيّة المتشدّدة، وارتفاع حالات الفقر والجهل والمرض بين العديد من أبناء عالمنا العربيّ.

بقي أن نفكّر في السّفينة الوطنيّة القطريّة، فهناك من يسعى أن يمتدّ الخراب والدّمار فيما بقي من بلدان فيها شيء من الاستقرار والتّنمية. فعلينا أن ندرك جميعا خطورة ما يدعو إلى الكراهيّة والاحتراب، ابتداء من الحفاظ على هذه السّفينة الوطنيّة، ثمّ نفكّر بعقل الإحياء والاستقرار لسفينتنا القوميّة، وأنّ استقرارها، والمساهمة في إحياءها وتنميتها صمّام أمان لسفينتا الوطنيّة.

وأمّا في سفينة العالم نكون أذن خير فيها، بالدّعوة إلى السّلم والمحبّة بين شعوب العالم جميعا، وأن نؤنسن مفاهيمنا وتراثنا وثقافتنا ليكون غايتها بناء الإنسان وإحيائه لكونه إنسانا، وأن نتجاوز القراءات التّأريخيّة الضّيّقة، والمفاهيم الدّينيّة والثّقافيّة المغلقة، من خلال أنسنتها وإعادة قراءتها بعقل الواقع، وأن نساهم في صناعة الإنسان من خلال ما توصل إليه العالم من علوم ومعارف إنسانيّة أم معرفيّة تطبيقيّة وتجريبيّة وصناعيّة، لنكون عنصرا فاعلا في الإحياء، لا في الانغلاق والاحتراب.