المقالات الفكرية

العقل المعرفيّ وما بعد الذّكاء الاصطناعيّ

الأربعاء، جريدة عُمان 8 صفر 1448هـ/ 23 يوليو 2026م

العقل المعرفيّ العربيّ مرّ بمراحل منذ نهايات القرن التّاسع عشر الميلاديّ، وبدايات القرن العشرين، من انتشار الطّباعة، إلى الصّحافة والمجلّات والتّلفاز والإذاعة. بطبيعته يعيش التّوجس في البداية، ويعمّق الصّورة السّلبيّة حول الوسائل، وأنّها سوف تنشر الفساد الاجتماعيّ، وتؤدّي إلى الفوضى السّياسيّة، حتّى تطمئن العقول لها، ومن كان يحذّر منها يصبح أكثر استخداما لها، وترويجا لرغباته ومعارفه.

يمكن اعتبار النّصف الثّانيّ من القرن التّاسع عشر الميلاديّ وحتّى 1990م مرحلة لها تحولاتها في الوسائل المعرفيّة، عايشها الجيل الصّامت وجيل إكس بشكل أكبر، بيد أنّ من 1990م وحتّى اللّحظة أي 2026م مرّ عالمنا العربيّ كغيره من العوالم بمرحلتين تأثيرهما يعادل أضعاف المرحلة الأولى. وحديثي عن سنوات مبنيّة على الامتداد والتّأثير والشّراك الأفقيّ، وليس من باب الاختراع والاكتشاف، والّذي يسبق ذلك بكثير.

المرحلة الثّانية منذ بداية التّسعينات كان ظهور الفضائيّات، وكانت محلّ جدل في بداياتها، فهناك توجس سياسيّ واجتماعيّ ودينيّ، فقد اعتاد جيل إكس على مفردات القوميّة، وانغلاق الهويّة، بينما الفضائيّات سوف تقودنا إلى الغزو التّغريبيّ، وهيمنة الثّقافات الأخرى. لكنّ الواقع فرض ذاته، فقد تنوعت مشاربها واتّجاهاتها، ليصل الأمر إلى أكثر من ألف قناة عربيّة حكوميّة وخاصّة.

ساير مرحلة الفضائيّات في بداياتها ظهور الشّبكة العالميّة، والمواقع الإلكترونيّة، والمنتديات الحواريّة الصّوتيّة والكتابيّة، والمدونات والمواقع الشّخصيّة والمؤسّسيّة. هذا الوضع (الفضائيّات – الشّبكة العالميّة) قاد إلى تحولات عديدة عند جيليّ إكس وزد، حيث كسرت الصّورة النّمطيّة الواحدة في المجتمع، كما كسر حاجز المعرفة المحرّمة، كانت لأسباب سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة أو أمنيّة، وفي الأخير كسر حاجز الخوف، فحدث انفجار في نقد للسّلطات والمؤسّسات الخدميّة، وطرح القضايا الدّينيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، لحريّة التّعبير وفق أسماء وهميّة، كما أصبحت المجلّات والصّحف المحرّمة دخولها متاحة بكلّ يسر، وأصبح النّاس لا ينتظرون الموافقة على نشر الخبر؛ إذ ينتشر في الثّانية ذاتها، كما أنّه لم يصبح هناك تحديد ظهور الأشخاص إعلاميّا أو كتابيّا وفق ما تريده السّلطات، ولم يعد طريقة الاغتيال الدّينيّ أو الاجتماعيّ أو الثّقافيّ مجديا، فمن كان من المنبوذين لأسباب مختلفة يجد عالما افتراضيّا يشاركه أحلامه وأفكاره.

السّلطات الأمنيّة وبعض المؤسّسات الحكوميّة في هذه المرحلة حاولت الحدّ من هذا التّمدّد، لكنّ المجتمع انتقل  إلى منطقة أشدّ وهو ظهور وسائل التّواصل الاجتماعيّ، منذ الفيسبوك في 2004م، ويوتيوب 2005م، وحتّى الإنستجرام في 2010م، ثمّ تك توك ما بعد 2016م، تزامن هذا مع ظهور جيل زد، هذا الجيل قد لا يدرك الانفجار الّذي حدث في بداية الألفيّة، لكنّه مع الّذين من سبقه بظهور وسائل التّواصل الاجتماعيّ بدأ يعيش التّشكّل الفردانيّ، فيمكنك أن تنشر متى تشاء كتابة وصورة وصوتا، وأن تعبّر عن رأيك بكلّ يسر، فظهرت المرئيّات والجلسات الحواريّة (القنوات والبودكاست)، كما ظهر الواقع الحقيقيّ للمجتمعات البشريّة، ساير هذه الفترة ترويج مفهوم الهويّة والقيم والانتماء والحفاظ على الخصوصيّات، فالعوالم جمعيّة كانت أو فرديّة تزاحم الفرد والأسرة والمجتمع، ولم يعد حالة منع الوسيلة مجديا، لانتشار برامج فكّ الحجب عن المواقع بكلّ سهولة.

هذه المرحلة منذ 1990 وحتّى نهاية 2022م أثرت بشكل كبير على العقل المعرفيّ، أثرت عليه إيجابا من حيث سهولة الوصول إلى المعرفة وانتشارها، وعمقا من حيث تنوع مجالاتها وسهولة الوصول إلى الرّموز المعرفيّة مع البناء المعرفيّ. إلّا أنّها مرّت بتحدّيات سلبيّة أيضا من حيث انتشار الهشاشة المعرفيّة المبنيّة على السّرقات والانتحالات وعدم الجديّة البحثيّة، ومحاولة إظهار المعارف والجدليّات الماضويّة كمسلمات.

الجانب الإيجابيّ الواسع فيها أنّها صهرت المجتمع المعرفيّ في عالمنا العربيّ في قرية صغيرة، فلا تحتاج إلى قطع تذكرة سفر لتدرك ما ينتج شرقا وغربا، كما تستطيع التّفاعل مع الرّموز المعرفيّة في صفحاتهم الخاصّة، وفي الوقت ذاته لا تحتاج أن تنتظر من مؤسّسات بلدك لتحصل على فرصة لمؤتمر معرفيّ، فيمكنك تحقيق ذلك بذاتك من خلال مؤتمرات تكوينيّة وتفاعليّة.

هذه هي المرحلة الثّانية؛ وأمّا المرحلة الثّالثة مرحلة ما بعد 2022م، أي مرحلة انتشار استخدام الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ والرّوبوتات، وهي حالة رقميّة وخوارزميّة سيكون لها تأثيرها إيجابا أم سلبا، والحديث اليوم عن جيل جديد يتشكّل ويمايز ما قبله أي جيل ألفا.

المرحلة هذه لا تنفصل عن المرحلة السّابقة، لكنّها ستنقلها إلى مرحلة أوسع من الإبداع والإحكام، وتأثيرها على العقل المعرفيّ لن يكون بسيطا، فالسّؤال دائما مرتبط بالعقل المعرفيّ وما بعد الذّكاء الاصطناعيّ، فالمرحلة السّابقة كانت مرحلة تقريب وتنوع وسهولة الحصول على المعرفة والوصول إليها، أمّا الذّكاء الاصطناعي فلا يكتفي بذلك، بل أصبح يشاركك التّفكير والإنتاج والتّخطيط وطريقة الوصول إلى الرّيادة المعرفيّة، بمعنى أنّ الّذكاء الاصطناعيّ يقودك إلى الإبداع المعرفيّ بمختلف صوره، كتابة وتصميما واختراعا وكشفا.

المرحلة السّابقة تسهل لك طريق المعرفة من التّقليد المعرفيّ إلى التّكوين المعرفيّ، أمّا الذّكاء الاصطناعيّ فيدخلك مباشرة في مرحلة التّكوين، فيمكن عن طريقه أن تكوّن ذاتك لتكون مدركا ومبدعا في جوانب معرفيّة مختلفة، دون الحاجة إلى دخول دورات وورش عمل مكلفة من حيث الوقت والمادّة.

لهذا – في نظري – العقل المعرفيّ اليوم لا ينبغي أن يفكّر بعقل المرحلة السّابقة، أي عقل الانفتاح على المعارف والتّفاعل معها، بل عليه أن يفكّر ليس بمدى هذا الانفتاح ولكن بمدى الإحكام والإبداع والرّيادة المعرفيّة ذاتها. فالذّكاء الاصطناعيّ يمكن أن يقدّم لك مقالة معرفيّة، أو مشروعا معرفيّا، أو تصميما ذكيّا بكلّ سهولة، ولكن كيف توظف هذا لتكون مبدعا في نتاجك ومشاريعك، حيث اختصر لك طرقا كثيرة، تنوعّا معرفيّا وتمكينا، ولكن تبقى طاقات الإنسان الإبداعيّة أوسع وأعمق إذا ما تعامل مع الذّكاء الاصطناعيّ بسؤال البعديّة (ما بعد) وليس بسؤال التّقليد والانتحال والشّهرة الموهومة والاكتفاء بما يختصره لك من أفكار وتصاميم ومعرفة.

وعلى سؤال البعديّة – في نظري – ينبغي أن تفكّر المؤسّسات التّعليميّة والمعرفيّة والبحثيّة، فكما تجاوز العالم المرحلة الأولى وإن كنّا لا زلنا نعيش بعض وسائلها؛ العالم اليوم أيضا يتجاوز المرحلة الثّانية، فنحن في مرحلة جديدة لها تأثيرها على الجانب الفرديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ والمعرفيّ بشكل عام، هذه المرحلة لابدّ أن تدرس بسؤال ما بعد لندخل بعقولنا المعرفيّة إلى مرحلة الإبداع والرّيادة في كافّة المجالات والتّخصّصات.

السابق
Publication of Two Books Based on Academic Symposia at the Omani Cultural Club, Edited by Badr Al-Abri
التالي
The Cognitive Mind and Beyond Artificial Intelligence
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً