المقالات الإجتماعية

من المقاهي القديمة إلى المقاهي الحديثة: ما التّحول الثّقافيّ الّذي يمكن أن تحدثه؟

جريدة عُمان، الأربعاء 18 ربيع الآخر 1448هـ/ 30 سبتمبر 2026م

الأول من أكتوبر والّذي يصادف الخميس المقبل هو اليوم الدّولي للقهوة، وسبق أن كتبت موضوعين متعلّقين بهذا الموضوع، أحدهما حول: “المقهى والثّورة”، والثّاني حول: “النّوادي الثّقافيّة الأولى في عُمان” حيث ظهرت فكرة العديد من النّوادي من المقاهي، والمقاهي ارتبطت بالقهوة.

في عُمان قد تكون المقاهي الشّعبيّة والتّقليديّة متأخرة، لكن العمانيّين ارتبطوا بها في الخارج، كما في كراتشي وبغداد والقاهرة ودمشق وبيروت والكويت والمنامة. لكن القهوة في عُمان ارتبطت مبكّرا بالمجلس (السّبلة)، وفيها انطلقت العديد من المبادرات الاجتماعيّة والثّقافيّة.

اليوم نعيش فكرة المقاهي (الكوفيّات) الحديثة، وقد كانت مقتصرة سابقا على العاصمة مسقط، وبعض المدن الكبرى في المحافظات، أمّا في الوقت الحالي نجدها منتشرة في أماكن عديدة، وفي قرى نائية، وأصبحت جزءا من الثّقافة المجتمعيّة، والّتي تساهم اليوم في إحداث تحولات حداثويّة في المجتمعات المحليّة.

المجلس المحلّي أو السّبلة والّذي كان مؤثّرا في التّحولات الاجتماعيّة خصوصا؛ لم يعد حضوره مؤثّرا في الوقت الحالي، وأصبح مقتصرا على اللّقاءات الاجتماعيّة، وفي بعض المناسبات الوطنيّة والدّينيّة، وقليل من هذه المجالس ترتبط بفعاليّات دينيّة أو ثقافية، أو تكون محلّا للجلسات الحواريّة والمجتمعيّة، التّأثير الكبير اليوم بلا شكّ للمقاهي الحديثة.

التّحدي الأكبر أمام المقاهي الحديثة ليس المقاهي التّقليديّة، ولا النّوادي الرّسميّة والأهليّة، ولا المجالس المجتمعيّة (السّبلة)، التّحدي مع الوسائل الرّقميّة، والّتي أصبحت تخلق في داخلها مقاهي رقميّة، وتطبيقات افتراضيّة لتبادل الحوار والجدل، ومناقشة القضايا المختلفة.

في المقابل هذه الوسائل الرّقميّة هي من تسهل الوصول إلى المقاهي الحديثة، وأصبحت العديد من جلسات هذه المقاهي نتيجة هذه الوسائل الرّقميّة، والنّاس بطبيعتهم يميلون إلى مباشرة اللّقاء والجدل والحوار، وهذه غريزة فيهم، لا تشبعها مثل هذه الوسائل الرّقميّة، لهذا نجد المقاهي الحديثة ممتلئة بالنّاس، ومن الجنسين، ومن أطياف وأعمار وثقافات مختلفة.

لهذا السّؤال اليوم: ما التّحول الثّقافيّ الّذي يمكن أن تحدثه هذه المقاهي الحديثة؟ أتصور هناك تحولات حداثويّة في هذه المقاهي، فالمقاهي التّقليديّة والمجالس العامّة اقتصرت في جملتها على جنس معين، غالبها ذكوريّة، أمّا هذه المقاهي فأصبحت تتقبل بكلّ عفويّة فكرة مشاركة المرأة وحضورها وتفاعلها على مستوى النّقاشات العامّة، وعلى مستوى الفعاليّات المعلنة مسبقا، ولم يعد المجتمع ينظر إلى حضور المرأة ومشاركتها وتفاعلها في المقاهي بتحفظّ أو بسلبيّة مغلقة.

المقاهي التّقليديّة في العواصم العربيّة الكبرى ارتبطت سابقا بشكل أفقيّ واسع بالقضايا السّياسيّة، خصوصا عند الاتّجاهات القوميّة واليساريّة، كما ارتبطت برموز معينة، فأشهر المقاهي اشتهرت إمّا بالحزب المنتمي إليه غالب رواد المقهى، أو برمزيّات أدبيّة وثقافيّة وسياسيّة معينة يتحلقون حولها.

أمّا المقاهي الحديثة فحدث فيها تشظي، وأصبحت الفردانيّة يغلب عليها، كما يجد فيها روّاد المقاهي متنفسا لمناقشة أفكارهم وتوجهاتهم المتباينة والمتعدّدة، ولم تتوقف عند الجوانب الحزبيّة، أو عند رموز معينة، وهذا بذاته يحدث تحولات حداثويّة مستقبليّة عند الأجيال المقبلة، وتبني مفردات ثقافيّة مختلفة، ليس بالشّريطة تناسقها مع ثقافة المجتمع وهويّته الجمعيّة، وساهم في هذا التّقنيّات الرّقميّة العابرة للجغرافيا والهويّات.

المجلس المحلّي أو السّبلة (سابقا) يدور وفق رؤية جماعة تقليديّة معينة، لغايات دينيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة مغلقة ومسبقة، لا يمكن تجاوزها أو تجاوز رؤاها. هذا لا ينطبق مع المقاهي الحديثة؛ لأنّها تنطلق أيضا من كونها تجاريّة استثماريّة، والتّاجر يريد كسب عدد أكبر من الرّواد، وهذا لا يتحقّق إلّا بتوفير مناخ أفقيّ واسع من الحرّيّات، ممّا يكسبه استمراريّة زمنا وعددا، وهذا يؤثّر في خلق مناخات واسعة لإحداث تغيرات حداثويّة في حركة المجتمع.

حاولت بعض الدّول تقنين المقاهي الثّقافيّة المرتبطة بالمقاهي الحديثة؛ لتكون تحت عين السّلطة، كان سلطة سياسيّة أو هويّاتيّة مجتمعيّة مغلقة، ولكن – في نظري – يمكن التّقنين فيما يتعلّق بالمبادرات الثّقافيّة والمجالس الحواريّة المعلنة فيها، لكن يصعب تقنين اللّقاءات والتّجمعات غير المعلنة، إمّا بصورة عفويّة، أو نتيجة دعوات افتراضيّة مسبقة، وتأثير اللّقاءات والتّجمعات غير المعلنة أعمق وأوسع من المبادرات الثّقافيّة والجلسات الحواريّة المعلنة، فتلك لها تأثير على تحولات المجتمع على المدى البعيد.

العديد من دول العالم اليوم تجعل من المقاهي الحديثة كشّافا استخباراتيّا لمعرفة توجهات المجتمع، إمّا لأغراض وطنيّة ومعرفيّة حميدة، أو لأجل خلق رهاب اجتماعيّ ضدّ فئات معينة غير مرغوب فيها عند السّلطة، أو تحسبا لأحداث سياسيّة مستقبليّة تستخدم فيها مثل هذه الأوراق ضمن القطيعة الاجتماعيّة الأفقيّة.

لا أستطيع التّكهن بفاعليّة مثل هذه الأوراق اليوم، والّتي كانت ناجحة قديما، وارتبطت بالمقاهي والتّجمعات التّقليديّة، أمّا اليوم فالجانب الرّقميّ والفردانيّ يقود إلى تشظي مثل هذه الأوراق، لهذا الدّول التّقليديّة تحافظ بشكل أوسع زمنا على الهويّة الجمعيّة، وتخشى من تشظيها إلى هويات متباينة، كما تخشى من تمدّد التّوجهات الفردانيّة – المتعلّقة بالتّفكير وليس بالعلاقات الاجتماعيّة – على حساب التّفكير الجمعيّ، والموجه عادة بشكل مسبق.

ومع هذا، في نظري أنّ الواقع ما بعد الذّكاء الاصطناعيّ، والوسائل الرّقميّة كمنصّات التّواصل الاجتماعيّ تقود إلى تشظي الهويّات الجمعيّة الكبرى. وبما أنّ الإنسان اجتماعيّ بطبعه، يجد في هذه المقاهي الحديثة ملاذا لتشكيل هذه الدّوائر المتقاربة، وإن كانت صغيرة عددا، إلّا أنّها من حيث المشتركات الجامعة بينها تخلق في هذه الذّوات عالما جامعا واسعا لها.

هذا يضعف على المدى البعيد ورقات الرّهاب الاجتماعيّ، ويذكّرني هذا بمفهومي الولاء والبراء بمعنى القطيعة الاجتماعيّة تحت المظلّة الدّينيّة، هذا المفهوم التّقليديّ للولاء والبراء لا قيمة له اليوم لانفتاح العالم على بعضه، لهذا تحول في بعض مصاديقة إلى وسائل أخرى كالإيذاء والتّهميش الوظيفيّ في بعض المجتمعات الّتي تضعف فيها السّلطة الجامعة.

الأمر – في نظري – سيّان فيما يتعلّق بالرّهاب الاجتماعيّ، ويمكن اعتباره الولاء والبراء السّلطويّ، لهذا كما أسلفت نسير ضمن تحولات ثقافيّة واجتماعيّة حداثويّة قد لا ندرك العديد من جزئياتها لأننا نعيش اللّحظة مع سرعة حراكها، لكن – بلا شك – الأجيال القادمة تستطيع بشكل أعمق قراءة هذه التّحولات، والّتي من أكبر عواملها المقاهي الحديثة.

السابق
تقرير جريدة الشّبيبة العمانيّة حول مقالي: “من رفاعة الطّهطاويّ إلى عُمان: ما الدّور الثّقافيّ الّذي تستطيع عُمان بناءه؟” الّذي نشرته جريدة عُمان في العدد الأخير من الملحق الثّقافيّ
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً