المقالات الإجتماعية

الثّقافة الرّأسيّة في الولايات

جريدة عمان، الأربعاء 17 جمادى الأولى 1448هـ/ 28 أكتوبر 2026م

الثّقافة بمفهومها الأفقيّ كانت حاضرة بشكل عام في الولايات والمحافظات العمانيّة، فهناك العديد من الفعاليّات الوطنيّة كالأهازيج والفنون الشّعبيّة والغنائيّة والإنشاديّة، وبعض الفعاليّات الأدبيّة والمسرحيّة والشّعريّة، والمسابقات الثّقافيّة، والعديد من الفعاليّات الدّينيّة، والّتي تندرج في الجملة ضمن الثّقافة العامّة، وما يشبه ذلك من تثقيف صحيّ واجتماعيّ. هذه في جملتها ثقافة عامّة ارتبطت قديما بالنّوادي الرّياضيّة، وبعض المؤسّسات الخدميّة.

لا يمكن فصل الولايات عن الثّقافة الأفقيّة؛ لأنّها جزء انتمائيّ يعبّر عن عوالم الولاية ذاتها، أو المحافظة بالشّكل الأوسع، فالفنون الشّعبيّة مثلا تعبّر عن نمط معيّن من الفنّ نتيجة التّصالح مع البحر وفراق الأحبّة، أو الصّحراء وقسوتها، أو الجبال وصلابتها، كما تعبّر عن حركة التّأريخ وما حدث فيه من أحداث من سلم وحرب، ورخاء وشدّة. وهكذا في المصنوعات والمطعومات والألبسة واللّهجات واللّغات، جميع هذا وغيره من مشكلات هويّة العادات والتّقاليد.

في السّابق كانت الأندية الرّياضيّة والثّقافيّة تتفاعل بشكل كبير مع الثّقافة الأفقيّة، وكانت بعض الأندية في بعض الولايات ديمومة متحرّكة في تفعيل الثّقافة الأفقيّة العامّة، لكن الأندية الرّياضيّة تراجعت بشكل كبير، واقتصرت على جوانب رياضيّة. ومع وجود العديد من المراكز الثّقافيّة في بعض المدن العمانيّة الكبرى، لكنّها – في نظري – ليست في المستوى المطلوب لما يراد منها على الأقل في تفعيل الثّقافة الأفقيّة.

النّقلة الّتي حدثت في النّهضة المتجدّدة من الخروج من المركزية إلى المحافظات، الأصل أن يسايرها تغيّر أوسع في النّشاط الثّقافيّ الأفقيّ، لنجد حراكا داعما للأندية والمراكز الثّقافيّة في خلق هذه الأجواء الثّقافيّة، نعم، وجدت بعض المهرجانات الثّقافيّة والفنيّة، لكنّها لا زال عددها محصورا على بعض المحافظات، مع وجود صيت إعلاميّ جيّد لبعضها، ونقلة نوعيّة في المهرجانات الثّقافيّة الموسميّة أو السّنويّة.

غياب أو تقلّص الثّقافة الأفقيّة أدّى إلى جمود التّنوع الثّقافيّ في الولايات من جهة، ووجود فراغ من جهة ثانيّة، هذا أدّى بدوره إلى ملئه برؤية دينيّة كلاسيكيّة، هي وإن كانت جزءا من الثّقافة المجتمعيّة في جملتها، بيد وجود ثقافة أفقيّة حيّة يجعلها تتدافع معها لتتهذّب، لكونها تنظر أحيانا بسلبيّة مبالغ فيها حول بعض الثّقافات الأفقيّة، كما أنّ غياب الثّقافة الأفقيّة العامّة، وعدم الاهتمام بها؛ يؤدّي هذا على المدى البعيد إلى انقراض مظاهر ثقافيّة في المجتمع، لقلّة الاهتمام بها، أو الرّؤيّة السّلبيّة حولها، كانت دينيّة أم اجتماعيّة.

لهذا العالم كما يعتني ويحافظ على الثّقافة الأفقيّة؛ يحاول هو أيضا أن يخلق ثقافة رأسيّة أعمق، لثّلاثة أسباب رئيسة: الأولى المحافظة على الثّقافة الأفقيّة ذاتها وتفعليها كجانب سياحيّ واستثماريّ وسينمائيّ وفنيّ بشكل عام. والثّانية لأنّ العالم اليوم يعيش ضمن ثورة رقميّة لم يعد عقله محصورا في بيئته الأسريّة والقرويّة، أو على مستوى الولاية بالشّكل العام. والثّالثّة وجود مؤثّرات وتدافعات خارجيّة، قد تكون سلبيّة أو إيجابيّة، تخلق اتّجاهات فرديّة طبيعيّة من حيث التّأثر، لكنها قد تتجه سلبا على المدى البعيد إذا لم تجد مجتمعا يقترب منها بإيجابيّة.

أمّا المحافظة على الثّقافة الأفقيّة وتفعليها كجانب سياحيّ واستثماريّ وفنيّ؛ هذا يحتاج إلى خلق فضاءات من الحوار والسؤال والتّدافع، بمعنى الانتقال من الثّقافة الأفقيّة بمعناها التّقليديّ إلى المعنى التّمكينيّ، كما حدث مثلا في حارة العقر بنزوى، حيث كانت تراثا تقليديّا يمرّ عليه السّائح، ليتحول اليوم إلى حالة تمكينيّة تتضمّن المقاهي والفنادق واللّيالي الثّقافيّة، وهذا ما بدأنا نراه في العديد من القلاع والحصون من تمكين الشّباب العمانيّ.

ما أرمي إليه أوسع من هذا بكثير، فعندنا فضاءات ثقافيّة أفقيّة متنوعة – كما أسلفت – ولكن كيف عن طريق الثّقافة الرّأسيّة المبنيّة على تحريك العقل وتنميّة السّؤال وإشراك الجيل الجديد يمكن تحويلها إلى ثقافة إبداعيّة تمكّن الولايات المختلفة من صناعة ثقافات إبداعيّة أثرها أوسع بكثير في المجتمع. هذا يحتاج إلى تفعيل الثّقافة الرّأسيّة على مستوى المحافظات، أو على مستوى الولايات، على مستوى المؤتمرات والنّدوات التّخصّصيّة، والورشات التّمكينيّة، والجلسات الحواريّة والمفتوحة، أو على مستوى وجود مراكز بحثيّة – على الأقل – على مستوى المحافظات، في خلق دراسات بحثيّة كانت وصفيّة نقديّة أم ميدانيّة، لأجل تفعيل الثّقافة الأفقيّة، ونقلها إلى المستوى التّمكينيّ بما يناسب حركة الواقع.

وأمّا لأنّ العالم اليوم يعيش ضمن ثورة رقميّة لم يعد عقله محصورا في بيئته الأسريّة والقرويّة، فهو يقضي غالب وقته في هذا الفضاء المفتوح؛ فهذا إذا نظرنا إليه من الثّقافة الرّأسيّة نجده حالة صحيّة، فيمكن تفعيل الثّقافة الأفقيّة رقميّا، إمّا بتنوع حضورها، وتحويلها إلى منتج أوسع من حدود الولاية أو المحافظة، وإمّا من حيث التّرويج لها، والجذب الاستثماريّ والسّياحيّ. كما أنّ الثّقافة الرّأسيّة تساهم في تحويل الأفراد من كونهم مستقبلين رقميّا، إلى كونهم مؤثّرين رقميّا، وهذا من خلال تمكين مواهبهم الثّقافيّة والإبداعيّة، وخلقها فضائيّا ورقميّا، وهذا يصعب تحقّقه بدون وجود ثقافة رأسيّة مسايرة وقارئة بعمق لحركة المجتمع.

وأمّا وجود مؤثّرات وتدافعات خارجيّة، قد تكون سلبيّة أو إيجابيّة، فهذا شيء طبيعيّ، فنحن على المستوى البسيط لا نعيش ضمن عالم واحد؛ فكيف على المستوى الافتراضيّ البعيد، فليست الإشكاليّة في هذا، وإنّما الإشكاليّة إذا كان الفضاء الواقعيّ خاليا من الحراك الثّقافيّ ليشغل المجتمع بحراك ثقافيّ أفقيّ متنوع، هذا المجتمع قد تنمو فيه فضاءات متطرّفة في جوانب دينيّة أو اجتماعيّة أو سلوكيّة. كما أنّ غياب الثّقافة الرّأسيّة، والأصل أنّها معرفيّة بحتة، يجعل العديد من الجيل الجديد منعزلا عن واقعه، ويعيش واقعا افتراضيّا قد يكون وهميّا، وقد يجد من لا يجيب عن أسئلته، ويقترب من رؤيته بإيجابيّة، ليصبح كارها لمجتمعه على المدى البعيد.

فإذا كانت الثّقافة الأفقيّة موجودة بشكل طبيعيّ على مستوى المحافظات والولايات؛ بيد أنّه إذا لم يصاحبها ثقافة رأسيّة لن تؤتي ثمارها بشكل جيّد. وفي نظري الثّقافة الرّأسيّة بتنوعها حضورها ضعيف جدّا على مستوى المحافظات، وقد يكون تفعيلها يحتاج إلى شيء من الوقت ليتفاعل معها النّاس في الولايات؛ لكن اليوم أصبح التّفكير والسّؤال والحوار لخلق فضاءات ثقافيّة تمكينيّة حالة ضروريّة، وهذا لا يمكن حدوثه بدون ثقافة رأسيّة مسايرة له.