جريدة عُمان، الأربعاء 3 جمادى الأولى 1448هـ/ 14 أكتوبر 2026م
يصادف السّابع عشر من أكتوبر اليوم الدّولي للقضاء على الفقر، ومن أهم ما ارتبط بالاجتماع الإنسانيّ طيلة التّأريخ في الحدّ من الفقر هو الوقف، والّذي هو بمعنى حبس الأصل وتسبيل المنفعة، أي نقله من الملكيّة الخاصّة إلى منفعة أوسع.
وسؤال مكافحة الفقر تجاوز معنى الصّدقة إلى معنى الحقوق وتحقيق الكرامة الإنسانيّة ضمن المساواة والعدالة الاجتماعيّة، كما أنّ سؤال الوقف تجاوز مفهوم الصّدقة الجارية إلى مفهوم التّمكين وتحقيق كرامة الإنسان ذاته، أي أصبح الوقف اليوم ليس ضمن الصّدقات الجارية، بل يدخل في الضّرورات المجتمعيّة والإنسانيّة.
في التّأريخ البشريّ عند جميع الأمم ارتبط الوقف بجوانب إنسانيّة حتّى فيما يتعلّق بالحيوانات وأوقاف الحصون والمياه والأفلاج والمدارس وغيرها، إلّا أنّ المآل هو الإنسان، فأوقاف الحمير والحصون قديما لأنّها تعين الإنسان في تنقله وحمل متاعه، وأوقاف الحصون لأنّها فيها من الجند من يقوم بحمايته وحفظ أمنه، ومن يقوم بسياسة حياته وتحقيق العدالة، وأوقاف المياه والأفلاج لأنّها مصدر شربه وشرب حيواناته وزروعه، وأوقاف المدارس لأنّها مصدر تعليمه ووعيه، فالمآل هو الإنسان ذاته.
اليوم الدّولة القطريّة معقدة ومتباينة، فليست جميع الدّول واحدة، فهناك الدّول المغلقة داحل حدود جغرافيّة بريّة، وهناك المنفتحة على فضاءات بحريّة واسعة، وهناك الدّول الغنيّة معدنيّا، ودول أخرى غنيّة زراعيّا، وأخرى تنوعا سياحيّا، وهناك دول فيها تعدّديّة دينيّة وعرقيّة ومذهبيّة متباينة بشكل ملحوظ، وهذا يؤثّر على أوضاعها الماديّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، لهذا نجد تباينا وتفاوتا بين الدّول.
وبسبب الوضع المادي والاقتصاديّ المعقد بين دول العالم حاليا، والصّراع الّذي حدث سابقا ولا زالت آثاره بين الرّأسماليّة والاشتراكيّة؛ ظهرت نظريّات جديدة في محاولة التّوفيق بينهما من جهة، وحماية الإنسان من توحش الرّأسماليّة وإفراط الاشتراكيّة من جهة ثانية، كنظريّة الطّريق الثّالث عند أنتوني غيدنز في محاولة الجمع بينهما، واقتصاد الدّونات عند كيت راوورث، والّتي تدخل في أنسنة الثّروة والمداخيل الماليّة – إن صح التّعبير -، ونظريّة اقتصاد التّضامن وغيرها.
كما أنّ الإسلاميّين وفق مفهوم الأسلمة حاولوا تقديم نظريّة قرائيّة تجمع بين الملكيّة الشّخصيّة والمنافع العامّة، وهي تتقاطع مع النّظريّات الأخرى الحادّة من توحش الرّأسماليّة، كنظريّة الطّريق الثّالث، وإن وجدت اليوم نظريّات أكثر توحشا من الرّأسماليّة كالنّظريّة اللّيبرتاريّة، وقد سبق أن كتبنا عنها في مقالة: “الأوليغارشيّة الأمريكيّة الجديدة”.
الوقف أقرب إلى الاشتراكيّة بمفهومها العام لكسر طغيان الرّسماليّة، إلّا أنّه أيضا ارتبط اليوم بسؤال أنسنة الوقف، وهذا لا يعني تأريخيّا أنّ الوقف في جملته بعيد عن الإنسان، لكن مع مرور الزّمن غلب مفهوم الصّدقة الجاريّة على الضّرورات المجتمعيّة والإنسانيّة، ففي دول فقيرة نجد مئات الأوقاف على دور العبادة الضّخمة والمليئة بالمذهبات والنّقوش، بينما يقترب منها عشرات العشوائيّات ويجاورها المشردون والمحرومون، وقد ينفق هؤلاء من أصل أموالهم لهذه الدّور وأوقافها أملا منهم في حياة أفضل من حياتهم الحاليّة.
مفهوم الصّدقة الجاريّة خرج من الاغتراب الإنسانيّ إلى الاغتراب الماورائيّ المغلق، فتصوروا أنّ أفضل ما يحقّقها هو بناء دور عبادة فخمة أكثر من بناء الإنسان، فإذا حدّثته عن وقف الصّدقة الجاريّة لا يذهب ذهنه إلى أوقاف الجامعات والمستشفيات والمدارس والطّرق والشّركات والحدائق والمراكز الثّقافيّة، بقدر ما يذهب ذهنه إلى دور العبادة المتكلّف في بنائها، ولم يأمر الله بالسّرف فيها.
ثمّ تجد الأموال المكدسة لهذه الدّور المحرّم إنفاقها وتصريفها في جوانب إنسانيّة المجتمع أحوج إليها، فيستفيد منها ثلّة قليلة، وقد تنفق في تدريس ماورائيّات وصراعات لاهوتيّة مغلقة، بينما المجتمعات بحاجة إلى صناعة الإنسان وفق واقعه في الصّناعة والابتكار والفنون وما يتعلّق بالإنسان ونهضته.
يذكرني هذا بأوقاف الصّدقات الجارية والّتي ترسل إلى أفريقيا السّوداء، فهناك مئات الأموال تصرف لأجل التّبشير الدّينيّ والمذهبيّ، وبناء دور العبادة والمدارس الدّينيّة المرتبطة بها، والّتي كثيرا ما يصاحبها جدليّات دينيّة ومذهبيّة مغلقة، بينما يكاد ينعدم التّفكير في صناعة الإنسان الأفريقيّ ذاته، وإحياء المجتمعات بالمدارس والجامعات المخرّجة للطّبيب والمهندس والفيلسوف والقانونيّ وأمثالهم ممّن يساهمون في بناء دولهم وإحيائها بالعمارة والنّهضة والمعرفة.
سؤال الوقف أيضا يخرجنا من مفهوم الصّدقة بمعنى الإحسان، إلى الصّدقة بمعنى التّمكين، فهناك فارق دقيق بين إحسانك إلى الفقير بإعطائه مبلغا متقطعا كإعانة له، وبين تمكينه ليكون فاعلا بذاته في كسبه وتوفير قوت له، من خلال تعليمه لأجل صنعة يتقنها، أو توفير متجر أو وسيلة يستعين بها في رزقه، ويقضي بها ديونه، وتوفير مسكن ورزق له مستمر من عرق جبينه، ممّا يحفظ كرامته الإنسانيّة، ويكون فاعلا في خدمة المجتمع من خلال قدراته ومهنته.
كما أنّ هناك فارقا أيضا في أن تُحسن إلى مريض بإعطائه مبلغا من المال ليعالج في الدّاخل أو الخارج، وبين أن تساهم في تمكين المستشفيات من خلال الوقف ذاته، بحيث تساهم في توفير أرقى الأجهزة الطّبيّة، وتمكين مخرجات جديدة من الأطباء الأكفاء، في كافة مجالات التّطبيب، وصناعة الأدويّة، وتفعيل المراكز البحثيّة في الجوانب الطّبيّة، فالإحسان بمفهومه التّبرعيّ المؤقت هو قاصر في ذاته، لكن الإحسان بمعناه التّمكينيّ هو الّذي يدخل في أنسنة الوقف وتمكينه.
هناك جوانب عديدة متعلّقة بأنسنة الوقف، والّتي تساهم في تمكين المساواة والعدالة في المجتمع، وتنقله إلى حالة من الرّقيّ المتمدّد إلى أنسنة المدن والطّرق والحدائق والمصحات النّفسيّة والصّناعة والابتكار، وكلّ ما يؤدّي إلى صناعة الإنسان وتمكينه.



