جريدة عُمان، الأربعاء 26 ربيع الثّاني 1448هـ/ 7 أكتوبر 2026م
ما نراه اليوم في وسائل التّواصل الاجتماعيّ نجد حالة ممنهجة حول عُمان لها أسبابها ودوافعها المسبقة. فهناك في المنطقة من جهة واقعان متناقضان: الواقع الافتراضيّ الرّقميّ، والواقع الحقيقي المعيش، ومن جهة أخرى هناك خلط أوراق بين الخطابات والبيانات السّياسيّة والدّبلوماسيّة، والخطابات الدّينيّة، والخطابات الإعلاميّة والشّعبويّة الأفقيّة.
الّذي يعيش الواقع الحقيقي المعيش يجد عالما مختلفا تماما عن الواقع الافتراضيّ الرّقميّ، حيث الحياة طبيعيّة، والعلاقات الاجتماعيّة والدّبلوماسيّة جيّدة، والزّيارات على مستوياتها المختلفة تسير بشكل طبيعيّ، وما أن يدخل الواقع الافتراضيّ الرّقميّ يتصور أنّنا في حربي البسوس وداحس والغبراء؛ فما كان يقوم به الشّعراء قديما في تهويلهم لرموز قبائلهم وصراعاتها يقوم به اليوم الافتراضيّون الوهميّون (الجيوش الإلكترونيّة)، وبعض مشاهير وسائل التّواصل الاجتماعيّ وإعلاميه من خلق صراع افتراضيّ في المنطقة ليس بين القبائل؛ بل بين الدّول والجماعات والمذاهب.
المنطقة اليوم حول الخليج العربيّ ملتهبة منذ الحرب الأمريكيّة – الإسرائيليّة – الإيرانيّة الأخيرة، وما يتعلّق بمضيق هرمز، ثمّ أحداث اليمن وتأثيرها على المنطقة؛ الأصل في هذا أن يجعل المنطقة في حالة تعقّل واتّحاد واقعي وافتراضي؛ لأنّ سفينة المنطقة واحدة، وأيّ اضطراب فيها يعمّ الكلّ، فما حدث في اليمن وإيران اليوم نجد ضرر ذلك ليس في إيران واليمن فحسب؛ بل ضرر ذلك أيضا أصاب المنطقة ككل.
في المقابل، ما يحدث في الواقع الافتراضيّ الرّقميّ هل هو يعبّر حقّا عن الواقع، بمعنى هل هناك حالة تنافريّة بين سياسات المنطقة ومؤسّساتها السّياديّة، أو هو محاولة إشغال العقل الجمعيّ عن القضايا الدّاخليّة، ونقله من الحالة الحقوقيّة القائمة على الكتابة والحوار الجاد، والقراءات العميقة في توصيف الواقع، إلى حالة من الفوضى الرّقميّة، والقائمة في غالبها على الهشاشة، وما يتبعها من شتائم كتابيّة، وجيوش الكترونيّة وهميّة.
والسّؤال: من يقف خلف هذه الفوضى الرّقميّة، هل هي السّياسات ذاتها؟ أم جهات خارجيّة وجماعات أيدلوجيّة تريد نقل المنطقة إلى حالة من التّنافر الطّائفيّ، والاحتراب اللّفظيّ؟ أم هو إسقاط لواقع حقيقيّ لا يظهره الإعلام الرّسميّ، ويظهر من خلف الشّاشات لوجود شيء من فضاء الحرّيّة؟
في هذه الفوضى الرّقميّة لا يكاد تجد منشورا محكما يعالج القضايا بإنصاف وإحكام وعقلانيّة، يكون غاية نقده الإصلاح والإحياء، ففي عالمنا العربيّ مئات الجامعات الّتي تضمّ عشرات الأكاديميّين والباحثين الأكفاء، فضلا عن مئات المخرجات السّنويّة، ومن هذه الجامعات جامعات معرفيّة جادّة، وفيها مراكز بحثيّة عميقة، هذه العقول لا نجد لها صوتا أمام هذا العبث الافتراضي، خصوصا في إكس، والّتي كانت في بدايتها (تويتر) تتجه إلى التّنوير ومعالجة القضايا الحقوقيّة، ثمّ انحرفت عن مسارها، كما نرى واقعها الآن للأسف.
عُمان كانت بعيدة عن هذه الفوضى الرّقميّة، مع حضورها الجيوسياسيّ منذ القدم، وتأثيرها الاجتماعيّ والثّقافيّ لموقعها الجغرافيّ، وقد انفتح الكتّاب والمثقفون العمانيّون على الشّبكة الرّقميّة منذ بداياتها، من خلال المواقع الالكترونيّة، والمدونات الشّخصيّة، ثمّ على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وقد أثّر الجانب الرّقميّ في الحراك الدّاخليّ العمانيّ، وحرّك العديد من الملفات الإصلاحيّة المغلقة، كما أوجد شيئا من التّحولات الفكريّة والثّقافيّة والاجتماعيّة.
هذا الحراك الرّقميّ منذ 1999م وحتّى اليوم أظهر العديد من الأقلام العمانيّة الجادّة، وساهم في بروزها عربيّا وخليجيّا، بل ودوليّا، وكان لها تأثيرها في العديد من المجالات، وحضورها في المنتديات الثّقافيّة المحليّة والخارجيّة. هذا لا يعني لم توجد فوضى رقميّة منذ سبلة العرب وما بعدها، ولكن ليس كما نراه اليوم، حيث أصبحنا نبحث عن الجدّة والقراءة المستقلّة أمام هذا التّسطيح والغثائيّة.
حالة التّسطيح والغثائيّة موجودة حتّى مع بدايات الكتابة، وفي الصّحف والمجلّات، لا تقتصر عند الوسائل الرّقميّة، لكن في المقابل وجدت أقلام وقراءات ومؤلفات جادّة، لها عمقها وأثرها المعرفيّ، بينما ما نراه اليوم يكاد ينعدم هذا القلم، أو يضطّر إلى الانزواء بسبب الغثائيّة المليئة بالسّبّ والشّتم لمجرد نقد لفكرة أو نقد لشخصيّات معينة، وقد ينزل الكاتب ذاته إلى هذه الفوضى والغثائيّة لمسايرة التّيار، وكسب عدد أكبر من التّفاعلات، وليس نقاشا لفكرة، أو نقدا لها معرفيّا ومنهجيّا.
تعلّمنا سابقا رواية “لو أنّ أهل عُمان أتيتَ، ما سبّوك ولا ضربوك”، لكن ما نراه في الواقع الافتراضيّ نجده عكس ذلك تماما، فما أن يخالف شخص المألوف، أو يقدّم رؤية مخالفة، إلّا وينهال عليه سيل من الشّتائم والسّباب، فضلا عن الغثائيّة المسطحة للموضوع، ومن هؤلاء أسماء وشخصيّات معروفة، فمقارعة المخالف بالأخلاق أو تجاهل الموضوع رأسا أجدى أثرا وتأثيرا من مقابلته بالشّتائم والسّباب.
ثمّ أنّ المرء لا يخلق موسوعيّا، ولا يعني أنّه مدرك لجميع الملفات، خصوصا الخارجيّة، فالعديد من أوراقها غير مدركة، وفيها من الزّوايا غير الواضحة، وتتراكم حولها المصالح والمنافع الشّخصيّة والجمعيّة، فينبغي التّأني في الحديث في القضايا الخارجيّة، وإصدار تغريدات وبيانات مستعجلة، وترك الموضوع لمن وكل إليه الأمر؛ فلديهم من الاستخبارات الخارجيّة، والمستشارين المجيدين، ما يدركون به أبعاد الكلمة فضلا عن الفعل، فهناك أحداث تحدث في بلدنا، وقريبة منّا، لكن نجهل أسبابها ما لا يجهله أصحاب الشّأن، فكيف بأحداث بعيدة عنّا، وصراعات لا ندرك حقيقتها وكنهها.
في هذه المرحلة من الفوضى الرّقميّة، والّتي أدخلت فيها عمان، وهي تمرّ بحالة الإحياء الدّاخليّ، اقتصاديّا واستثماريّا، مع الإصلاحات المختلفة؛ ينبغي علينا أن ندرك بتعقّل مآلات الفوضى، إمّا بإشغال العقل الجمعيّ عن دوره الحقيقيّ في الإصلاح والإحياء الدّاخليّ، أو لأجل جرّه إلى فوضى سياسيّة وطائفيّة واقعيّة. ففي هذه المرحلة يتطلّب منّا في نظري أن يترك الشّأن الخارجيّ والتّفاعل معه لمن بيده الأمر والخبرة، وأن يستفاد من الأقلام والعقول المتخصّصة في هذا المجال، وأن يقابل من يثير هذه الفوضى بالأخلاق أو التّجاهل أو بتقديم المعرفة المحكمة، وعلى هذا تضيق دائرة هذه الجيوش الالكترونيّة على المدى البعيد، وأن ظهرت بلباس واسم عمانيّ.
