حوار كتابي حول: الفوضى الرقمية.. حين يتشكل وعي الأبناء خلف الشاشات مع بدر بن سالم بن حمدان العبري عضو مجلس إدارة النّادي الثّقافي
الخميس: 28 ربيع الثّاني 1448هـ/ 8 أكتوبر 2026م
مقدمة:
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الأسرة والمجتمع ولم تعد مجرد منصات للتواصل وتبادل المعلومات بل تحولت إلى فضاء تتشكل فيه الآراء والمواقف ويتأثر به الأطفال والناشئة بصورة مباشرة وبين المحتوى المعرفي الهادف تنتشر أنماط من الخطاب الرقمي القائم على التشنج والشتائم والتنمر وتضخيم الخلافات الأمر الذي يفرض تحديًا جديدًا أمام الأسرة في حماية وعي الأبناء وتعليمهم التمييز بين الحقيقة والضجيج الافتراضي فكيف نتعامل مع هذه الفوضى الرقمية وكيف نربي أبناءنا على الاستخدام الواعي والمسؤول للفضاء الإلكتروني؟
الأسئلة:
كيف تقرأون ظاهرة الفوضى الرقمية التي نشهدها اليوم خصوصًا ما يرتبط بالخطاب المتشنج والشتائم وتضخيم الخلافات عبر منصات التواصل الاجتماعي؟
الجواب: علينا هنا أن ندرس الموضوع من حيث الممايزة والتّنوع وفضاء الخطاب والمسؤوليّة الأخلاقيّة.
الممايزة بين الواقع الافتراضيّ الرّقميّ والواقع الحقيقي، فما نراه من ضجيج في الواقع الافتراضيّ لا يعني بالضّرورة يعكس ضجيج الواقع، وكثرة التّفاعل لا يعني الواقع أنّ لديك هذا التّفاعل في الواقع.
التّنوع لأنّ الواقع الافتراضي يكتب فيه ليس المختصّون أو الخبراء أو المعنيون، يكتب فيه الجميع، هذا التّنوع لا يعني أيضا الجودة، فهو كأحاديث المجالس وإن تنوعت لا يعني جودتها وعمقها.
وفضاء الخطاب أي إذا انعزل المختصّون أو الخبراء أو المعنيون من هذه المساحات الافتراضيّة، سيملأ بغيرهم، وهذا طبيعي، فاليوم ليس سؤال المنع، وإنّما سؤال المزاحمة.
والمسؤولية الأخلاقيّة لأنّ العديد يجد في الواقع الافتراضيّ مناخا بسبب التّخفي أو عدم المواجهة، فيلجأ إلى السّبّ والشّتائم ما لا يجده في الواقع الحقيقيّ، لهذا بحاجة اليوم إلى تنمية المسؤوليّة الأخلاقيّة، فالفردانيّة لا تعني غياب المسؤوليّة الأخلاقيّة.
السّؤال: إلى أي مدى يعكس ما نراه في العالم الافتراضي واقع المجتمع الحقيقي؟ وهل أصبح هناك أحيانًا انفصال بين الحياة الواقعية الهادئة وبين الصورة الصاخبة التي تقدمها وسائل التواصل؟
الجواب: الواقع الافتراضيّ ليس منفصلا عن الواقع الحقيقيّ، لكنّه ليس مرآة حقيقيّة للواقع الحقيقيّ، فالواقع الحقيقيّ مثلا تغلب عليه الجمعيّة والمسؤوليّة الأخلاقيّة، بينما في الواقع الافتراضيّ يجد البعض مناخا للتّعبير عن فردانيّتهم، فالمجتمع اليوم يعيش التّمايزات الثّلاثة: الواقع والافتراض والخوارزميّات، والخوارزميّات تساهم في تشكيل رؤية قد تكون خارجيّة عن المجتمع ليس بالضّرورة هي صورة المجتمع.
السّؤال: الأطفال والناشئة هم الأكثر تعرضًا لهذا المحتوى.. كيف يمكن أن تؤثر الفوضى الرقمية في طريقة تفكيرهم وفي مفاهيمهم حول الاختلاف والحوار واحترام الآخر؟
الجواب: سابقا الطّفل يتلقى الأفكار والسّلوك من الأسرة والمجتمع والمدرسة، اليوم حتّى في الأسرة يعيش الطّفل في الواقع الافتراضيّ أكثر من الأسرة ذاتها، فهو لا يتلقّى معلومات معلّبة، بل يعايش سلوكيّات مختلفة يتطبع عليها، ومن السّلوكيات الاختلاف والحوار واحترام الآخر، فإذا غلب الاختلاف السّلبيّ والسّبّ والشّتام هو يتطبع عليها، لهذا نجد اليوم معدل السّبّ والشّتام في وسائل التّواصل أضعاف ما كان في المواقع الالكترونيّة سابقا، ومن جيل يظهر صورته الحقيقيّة، فمعنى هذا أنّه نشأ جيل قد تطبع بهذه السّلوكيّات السّلبيّة.
السّؤال: في ظل وجود محتوى متنوع ومفتوح أمام الأبناء كيف يستطيع الوالدان بناء مناعة رقمية لدى الطفل تجعله قادرًا على التمييز بين الرأي والمعلومة وبين النقد والإساءة؟
الجواب: لا يمكن تحقّق المناعة الرّقميّة، فهذه مثله الّذي يريد أن يمنع أبناءه من اللّعب والخلطة مع أبناء المجتمع، لكن نحن بحاجة إلى المناعة الأخلاقيّة، وأن تكون المناعة الأخلاقيّة ليس عن طريق التّلقين، وإنّما عن طريق التّدافع والحوار، بمعنى لابدّ أن ننمي حاسّة السّؤال والنّقد في الطّفل منذ بدايات تكونه، ولا يكون فقط متلقيا، وأن نغرس في الأطفال الفارق بين النّقد والكرامة الإنسانيّة، بحيث يتطبع على احترام أيّا كان، ولا يصح سبّه وشتمه، ولا يعني الاحترام تقبل أفكار الآخر، وأن نعوده على تقديم المفيد، وإشغال وقته بما ينفع الإنسان والمجتمع.
السّؤال: هل تكفي الرقابة الأسرية على استخدام الأبناء للأجهزة والمنصات أم أننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الرقابة إلى مفهوم التربية الرقمية وبناء الوعي والمسؤولية؟
الجواب: الرّقابة الأسريّة ضروريّة بلا شكّ، لكنّها لابدّ أن تبنى على تنمية الرّقابة الذّاتية غير القائمة على الخوف، فخوارزميّات وطبيعة الواقع الافتراضيّ يجد فيا المرء ملاذا لما كان يخاف قوله في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، فالرّقابة لابدّ أن يصاحبها فتح مساحة من الثّقة، ومن تدافع الأسرة والمجتمع إيجابا مع الطّفل، حتّى ولو أخطا سيجد مجتمعا حاضنا له وليس منفرا، ويقدر فيه عن التّعبير عن آرائه وأفكاره، وإلّا سيلجأ إلى الفضاء الافتراضيّ، وقد يتجه به إلى جماعات تكفيريّة أو حتّى إرهابيّة. كما على المجتمع أن يكون مشاركا في صناعة الخوارزميّات الإيجابيّة الّتي تعنى بما يصلح الإنسان والمجتمع.
السّؤال: كيف يمكن للأسرة أن تتعامل مع طفل أو مراهق يتأثر بالمحتوى الاستفزازي أو يدخل في نقاشات ومشاحنات إلكترونية؟ وهل المنع هو الحل أم الحوار والتوجيه؟
الجواب: الطّفل أو المراهق إذا وجد واقعا افتراضيّا مستفزا، ومجتمعا واقعيّا غير آمن ومتقبل للآخر، هنا يعيش حالة من الازدواجيّة والانفصام، قد تنمو فيه على المدى البعيد كراهيّته من المجتمع الّذي يعيش فيه، وقد يسهل تقبله للأفكار السّلبيّة، لهذا نحن في مجتمعاتنا بحاجة اليوم إلى فتح أكبر درجة من الأمان، لأننا نعيش في عوالم مختلفة، مع تنامي للفردانيّات، وهذا يحتاج إلى تكثيف الجلسات الحواريّة وليس التّلقين، وعمان بدأت مثلا في معا نتقدّم، ونحن في النّادي الثّقافيّ أطلقنا مثلا الطّاولة المستديرة، أرجو في المجتمع اليوم أو في المدارس تكثيف الجلسات والورشات الحواريّة، ولنترك المجتمع يخطئ، لكن أن يخطئ في مجتمع آمن أفضل من أن يخطئ في مجتمع يظهر الملائكيّة فينفر منه.
السّؤال: في رأيكم أين يكمن دور المدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية في مواجهة التسطيح والغثائية الرقمية وتعزيز ثقافة القراءة والتفكير النقدي لدى الجيل الجديد؟
الجواب: أتصور دور المدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية لا ينبغي أن يقتصر عن الرّقابة والوعظ والتّلقين، بل ينبغي أن يكون التّفكير في صناعة جيل في التّفاعل الإيجابي، وفي جعل هذه الخوارزميات ووسائل التّواصل والمقاطع القصيرة وسيلة لإظهار المواهب وتنمية القدرات المختلفة بما يخدم الإنسان والمجتمع، مع تعميق الجلسات الحواريّة كما أسلفت.
السّؤال: ما الرسالة التي توجهونها للآباء والأمهات في عُمان حول مسؤوليتهم في حماية أبنائهم من الفوضى الرقمية وفي الوقت نفسه عدم عزلهم عن عالم أصبح جزءًا أساسيًا من حياتهم ومستقبلهم؟
الجواب: الرّسالة أن نتعامل مع الجيل الجديد وفق زمانه وعقله وعصره، لا وفق زماننا وعقولنا وعصورنا، فالواقع الرّقميّ لا مفرّ منه، وأصبح جزءا لا يمكن فصله عن الأجيال الجديدة، ولكن هل يمكن صناعة جيل غير منفصل بين الواقعين، وقادر على التّفاعل الإيجابي مع الجانب الرّقميّ والافتراضيّ، هذا هو السّؤال الأهم.
