ليس من السهل أن تتحوّل جملة قصيرة في فضاء رقمي سريع الزوال إلى نصّ أخلاقي قابل للتأمل، ولكن بعض الكلمات حين تخرج من موقع المسؤولية، وتتشبّع بروح تاريخٍ طويل من الاعتدال السياسي والإنساني، تتجاوز طبيعتها العابرة لتغدو وثيقةً دلاليّة عن فلسفة دولةٍ في فهم الإنسان والعالم، ومن هذا القبيل ما أشار إليه الأستاذ بدر العبري في تعليقه على تغريدة معالي وزير الخارجية العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي، تلك التغريدة التي بدت في ظاهرها رسالة إجرائية لتنظيم عودة العالقين إلى أوطانهم، لكنها في جوهرها تنطوي على خطابٍ إنساني يلامس جوهر فكرة الدولة حين تكون الدولة أخلاقًا قبل أن تكون سلطة.
فالكلمات التي قال فيها معالي وزير الخارجية إن الحكومة العمانية تعمل على إعادة الجميع “بغضّ النظر عن جواز سفرهم”، لا يمكن قراءتها بوصفها تصريحًا إداريًا فحسب؛ بل هي في مستوى أعمق، إعلانٌ فلسفي عن طبيعة العلاقة بين السياسة والإنسان، ذلك أنّ السياسة حين تضيق رؤيتها تتحول إلى شبكة مصالح، أمّا حين تتّسع رؤيتها فإنها تقترب من أن تكون عملاً أخلاقيًا يسعى إلى حماية الكرامة البشرية قبل أي اعتبار آخر.
ولعل ما يجعل لهذه الكلمات وقعًا خاصًا أنها صادرة عن مسؤول يتولّى وزارة خارجية في دولةٍ عُرفت تاريخيًا بأنها دولة ذات تقاليد حضارية ضاربة في القدم، دولة لم تبنِ حضورها في الإقليم على الصخب أو الاستعراض، بل على ما يمكن تسميته “الهدوء العاقل” في إدارة العلاقات الدولية، وهذه الخصيصة ليست طارئة في التجربة العمانية، بل هي جزء من بنية التفكير السياسي الذي تشكّل عبر تاريخ طويل من التفاعل التجاري والثقافي والإنساني مع العالم.
فالخطاب الإنساني حين يصدر من مثقف أو كاتب يكون دعوةً أخلاقية، أمّا حين يصدر من وزير خارجية فإنه يتحول إلى موقف سياسي يعبّر عن رؤية دولة، وهنا تكمن أهمية التغريدة التي تناولها المقال المنشور بجريدة عُمان، العدد (15853)، 11 من مارس 2026م، ص12؛ إذ إنها لا تمثّل مجرد تعاطف عابر، بل تعبّر عن منهجٍ في النظر إلى الإنسان، منهجٍ يرى أن الحدود السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى حدود أخلاقية.
إن الجملة المفتاحية في هذا الخطاب هي تلك العبارة البسيطة: “الإنسان هو الأهم”، هذه العبارة تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها في عالم السياسة ليست كذلك دائمًا؛ فالتاريخ مليء بالوقائع التي تقدّمت فيها المصالح القومية على الكرامة الإنسانية، وارتفعت فيها شعارات السيادة حتى غطّت على معاناة البشر، من هنا تكتسب هذه العبارة معناها العميق، لأنها تعيد ترتيب سلم الأولويات، الإنسان أولاً، ثم تأتي بعد ذلك كل الاعتبارات الأخرى.
وإذا حاولنا أن نتأمل هذه الفكرة في سياق التجربة العمانية سنجد أنها تتصل بعمق بما يمكن تسميته “الفلسفة العمانية في الحياد الإيجابي”، فالحياد في التجربة العمانية لم يكن حيادًا باردًا أو انعزالًا عن العالم، بل كان محاولة دائمة للبحث عن مساحة مشتركة بين المتخاصمين، مساحة تسمح للحوار أن يستمر حين تتوقف لغة السلاح.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تكون العاصمة العمانية مسقط في مراحل مختلفة ساحة للقاءات السرية والمفاوضات الحساسة بين أطراف متنازعة، ومنها المفاوضات التي مهدت للاتفاق النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 2013م، تلك الوساطة لم تكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كانت تعبيرًا عن قناعة عميقة بأن الحوار، مهما بدا صعبًا، يظل أقل كلفة من الحرب، ومن هذا المنطلق يمكن فهم العبارة الأخرى في التغريدة: “فلنوقف الحرب الآن”، فهذه الجملة ليست مجرد أمنية إنسانية، بل هي امتداد لنهجٍ دبلوماسي يرى أن الحرب ليست قدرًا حتميًا، وأن السياسة الحقيقية هي تلك التي تحاول دائمًا أن تفتح نافذة للسلام حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
غير أن ما يلفت النظر في مقال بدر العبري ليس فقط احتفاؤه بهذا الخطاب، بل أيضًا تلك الملاحظة النقدية التي ختم بها حديثه عن استغلال بعض الأفراد لحاجة المتضررين في أوقات الأزمات، وهذه الإشارة تكشف عن وعيٍ مهم، فالقيم الإنسانية لا تكتمل بمجرد صدورها في خطاب رسمي، بل تحتاج إلى أن تتحول إلى سلوك يومي في المجتمع، فالرحمة، كما يقول الحكماء، لا تختبر في أوقات الرخاء، بل تظهر حقيقتها في أوقات الشدة، وإذا كان الخطاب السياسي يرفع راية الإنسانية، فإن المجتمع مطالب بأن يجعل هذه الراية جزءًا من ممارساته اليومية، لأن الفجوة بين الخطاب والسلوك هي أخطر ما يمكن أن يواجه القيم الأخلاقية في أي مجتمع.
وفي هذا السياق يمكن القول إن التجربة العمانية تقدّم نموذجًا خاصًا في فهم العلاقة بين الدولة والإنسان، فالدولة هنا لا ترى نفسها مجرد جهاز إداري ينظم العلاقات القانونية بين المواطنين، بل تحاول أن تكون إطارًا أخلاقيًا يعبّر عن فكرة العيش المشترك، وهذه الفكرة تتجلى في مواقف عديدة، منها التسهيلات التي قُدمت للمقيمين خلال جائحة كورونا COVID-19، ومنها أيضًا الجهود الدبلوماسية المتكررة لخفض التوتر في المنطقة، والحقيقة أن هذا المنهج ينسجم مع رؤية أوسع تتبناها سلطنة عمان في سياستها الداخلية والخارجية، وهي رؤية تقوم على الاعتراف بتنوع البشر واختلافهم، مع الإيمان بأن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للصراع، بل يمكن أن يكون مصدرًا للتعارف والتكامل.
وهنا يبرز البعد الإنساني العميق في هذا الخطاب؛ فالفكرة الأساسية فيه هي أن الإنسان لا يختزل في هويته السياسية أو الدينية أو العرقية، هذه الهويات، مهما كانت مهمة، تظل طبقات فوقية في شخصية الإنسان، أما جوهره فهو تلك الكرامة المشتركة التي تجمع البشر جميعًا، فالعالم المعاصر، بما يحمله من صراعات قومية ودينية وسياسية، يحتاج بشدة إلى هذا النوع من الخطاب، خطاب يذكّرنا بأن السياسة ليست لعبة قوة فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية أخلاقية تجاه البشر الذين يعيشون تحت ظلالها.
وفي النهاية يمكن القول إن التغريدة التي علّق عليها بدر العبري ليست مجرد كلمات في فضاء التواصل الاجتماعي، بل هي تعبير مكثف عن رؤية حضارية ترى أن قيمة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان، لا بقدرتها على فرض القوة، وهي رسالة تقول إن السياسة، حين تتصالح مع الضمير الإنساني، يمكن أن تتحول من أداة صراع إلى وسيلة رحمة، وربما لهذا السبب تحديدًا بدت تلك الكلمات القصيرة أوسع من حدودها اللغوية؛ لأنها لم تكن خطابًا سياسيًا فحسب، بل كانت – في جوهرها – تذكيرًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: أن الإنسان، قبل كل شيء، هو المعنى الذي ينبغي أن تدور حوله كل السياسات وكل الحدود وكل الدول، وإذا كان العالم اليوم يضيق أحيانًا بضجيج الحروب، فإن مثل هذه الكلمات تمنحنا لحظة تأمل نادرة، لحظة نتذكر فيها أن السياسة يمكن أن تكون إنسانية، وأن الإنسان، مهما تقاسمته الدول والخرائط، يظل في النهاية ضميرًا إنسانيًّا واحدًا.
خليفة بن سيف الحوسني، الغبرة الجنوبية، الأربعاء: 11/03/2026م
