جريدة عُمان، الأربعاء 18 ذو القعدة 1447هـ/ 6 مايو 2026م
شاهدت في الأيام الأخيرة مناظرة دينيّة لم أستطع إكمالها لما تحتويه من حمولات مسبقة أشبه ما يسميه القدامى بالجهل المركب من الطّرفين، وغياب الدّائرة الجامعة بينهما، والإشكالية ليست في مثل هذه المناظرات، وإنّما الإشكاليّة أن تخلق جيلا قادما يعيش في أوهام مذهبيّة عانت منها مجتمعاتنا ردحا من الزّمن. وكانت المذاهب في السّابق بعيدة عن بعضها، تعيش عوالمها وخصوصيّاتها، لهذا كانوا يبحثون عن خصوصيّاتهم، ومعالم مذاهبهم، واليوم أصبحت المذاهب متداخلة، والخصوصيّات مكشوفة، فعليها اليوم أن تبحث عمّا يجمعها لا ما يفرقها.
جميع المذاهب الإسلاميّة؛ بل والأديان عموما، تدور بين تأريخين، تأريخ اقتضاءات النّشأة، وتأريخ تطور اجتماع المذهب، فلا يوجد مذهب إسلاميّ اليوم يعيش اقتضاءات النّشأة، وإلّا أصبح هذا المذهب من التّأريخ. بقاء مذهب ما يعني هناك تفاعل اجتماعيّ استطاع هذا المذهب أن يبقى، إمّا بسبب التّبني السّياسيّ، أو القبليّ، أو القدرة على التّفاعل الاجتماعيّ، لكن لا يمكن لمذهب ما اليوم أن يكون كذات الصّورة عند الآباء المؤسّسين له. هذه التّفاعلات التّأريخيّة لا يمكن بحال تهميشها في قراءة المذاهب؛ لأنّ هذه المذاهب ليست معادلة رياضيّة جامدة، بل هي تفاعل بشريّ يدور حول الخصوصيّة وواقع الظّرفيّة التّأريخيّة، هذا الواقع هو من يعيد النّظر في هذه الخصوصيّات، وإلّا – كما أسلفت – يؤدّي بهذا المذهب أو ذاك إلى الجمود، حيث إمّا أن يصبح من التّأريخ، أو يصيبه الانزواء والضّعف والانحسار.
لنضرب مثلا في الجانب السّياسيّ؛ نجد نقطة نشأة المذاهب الإسلاميّة السّياسيّة وفق ثلاث مدارات: الشّورى المطلقة أو القرشيّة أو النّصيّة، وكما ذكرتُ في كتابي “أنسنة الدّولة” أنّ “الشّورى المطلقة تحوّلت تطبيقيّا في عُمان مثلا إلى وراثة في القبيلة أي في اليحمد، ولمّا قامت الدّولة اليعربيّة عام 1034هـ، بعد سقوط الاحتلال البرتغاليّ، فمع التّقليد في المبايعة الخاصّة ثمّ العامّة، إلا أنّ الدّولة اليعربيّة مارست الوراثة في الأسرة الواحدة، وظهر التّغلّب في عهد الدّولة البوسعيديّة … وهي دولة وراثيّة، وكذا الحال في الدّولة الرّستميّة …. وإن كانت الإمامة شورويّة من حيث الابتداء، إلّا أنّ الإمامة ظلّت من بعده وراثيّة في ذات الأسرة”، “وكذا في الاتّجاه القرشيّ، فقد تحوّل إلى وراثة إمّا في بطن من القبيلة أو الأسرة، كما في الدّولتين الأمويّة والعباسيّة، حيث لا يوجد فيها انتخاب الكفؤ من قريش، بل أقرت ولاية العهد، ويرى بعضهم أنّ “الخلافة القرشيّة انتهت عمليّا من بعد المعتصم العباسيّ (ت: 227هـ)، فيومها سيطر الجند الأتراك على مقدّرات الدّولة، وصار الخليفة موظفا عندهم براتب شهريّ، ثمّ انتهت خلافة قريش حتى اسميّا على يد الأتراك العثمانيّين”، “وأمّا الإمامة وفق الاتّجاه النّصيّ فهي لم تخرج عن الجانب الوراثيّ أيضا”، ومع ارتباط الخلافة والإمامة بالوراثة ارتبطت أيضا بالتّغلّب، ويرى عليّ عبد الرّازق (ت: 1966م) “أنّ الغلبة كانت دائما عماد الخلافة، ولا يذكر التّاريخ لنا خليفة إلّا اقترن في أذهاننا بتلك الرّهبة المسلحة الّتي تحوطه، والقوّة القاهرة الّتي تظلّه، والسّيوف المصلتة الّتي تذود عنه”.
“وبسقوط الدّولة العثمانيّة 1922م انتهت دولة الخلافة، وبدأ تكوّن الدّولة الوطنيّة القطريّة”، وبدأت القراءات السّياسيّة الإسلاميّة للدّولة تنفتح على المفاهيم الجديدة، كالتّعاقد والمواطنة ومراجعة فقه الأقليّات، والانفتاح على الدّساتير مع تقنين الفقه السّياسيّ والاجتماعيّ، فالدّولة في المذاهب الإسلاميّة السّياسيّة اليوم ليست هي الدّولة بعد حادثة السّقيفة، وليست هي الدّولة الأمويّة القرشيّة، وليست هي الدّولة العبّاسيّة النّصيّة، وليست العثمانيّة المتغلّبة، هذه الاقتضاءات وإن أفرزت فقها سياسيّا وفق زمنيّتها، لكن جميع هذه المذاهب الإسلاميّة اليوم تعيش واقعا ظرفيّا مختلفا كلّيا، فطبيعيّ أن تتطوّر في داخلها فكرة الدّولة، ولا تجمد عند حالة النّشأة الأولى.
الأمر ذاته في المذاهب الكلاميّة أو اللّاهوتيّة، والّذي كانت نزعته سياسيّة في الابتداء حول الخلافة، من السّقيفة ومقتل عثمان، ثمّ الجمل وصفّين والنّهروان، إلى الدّولة الأمويّة، كانت قضيّة الصّحابة حاضرة وفق المدار السّياسيّ ولاء أو براء، ولم يكن النّاس حينها على صورة واحدة، حتّى عند الصّحابة أنفسهم، ولم تظهر نظريّة عدالة الصّحابة، أو التّرضي المطلق إلّا في نهايات النّصف الأول من الدّولة العبّاسيّة، وهي وإن كانت حالة متقدّمة بيد أنّها رؤية لم تتجاوز الجانب المذهبيّ أيضا، وصيغت برؤية مذهبيّة، لا زالت آثارها السّلبيّة حتّى اليوم لو أخرجت رؤى المذاهب من بطون كتبها.
والإشكاليّة ليست في آراء هذه الكتب، فهي تراث إنسانيّ لا يمكن تجاهله، لكنّه تراث يحمل اقتضاءات تلك المرحلة من التمذهب، وليست نصوصا إلهيّة مغلقة ومطلقة، فلا يمكن محاكمة المذاهب اليوم بكتابات متناثرة في تأريخ المذاهب ذاتها، بل ينبغي دراستها بشكل معرفيّ جامع وفق اقتضاءات تطور وتفاعل الرّؤية المذهبيّة تأريخيّا، مع محاولة تقديم الجامع بينها، والجامع الأكبر هو تعظيم ما يجمعها، وعلى رأسها تعظيم الله ذاته، وأنّ جميع الأمم تتنازع وتختلف حول رموز تأريخيّة، وأمّة الإسلام ليست بدعا عنها، بيد هذا الاختلاف والتّنازع يبقى من التّأريخ، ولا يكون إلها آخر يتعصّب له مع الله تعالى، حيث تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت، ونحن لنا ما نكسبه وفق واقعنا، لا وفق واقعهم وظرفيّتهم.
الأمر ذاته فيما يتعلّق بتطوّر المذاهب فقهيّا، من حيث مدار المذهب وأصوله الفقهيّة، ومن حيث الأداة الدّلاليّة اللّغويّة، أو المنطقيّة الأصوليّة، أو المقاصديّة المصالحيّة، ومن حيث تأثير الواقع ونوازله، والقراءات والمعارف المعاصرة، نجد بهذا التّضخم الكبير في الموسوعات الفقهيّة، وسببه أنّ الواقع أقوى من أصل المذهب ذاته. والأمر ينطبق أيضا على الأبعاد الغنوصيّة في المذاهب ذات البعد العرفانيّ والصّوفيّ، أو السّلوكيّ بشكل عام. ولهذا مصاديق عديدة يدركها كلّ دارس لتأريخ المذاهب وتطوّرها. لهذا العقلاء يبحثون عن نظريّات المذاهب الجامعة، ويقرأونها من الخارج بروح إنسانيّة واسعة، وبها يفهمون جزئيات المذاهب وخصوصيّاتها، ويقرأونها وصفا أو نقدا بروح المعرفة والعلم والمحبّة، لا بروح التّقزيم والتّهميش والإقصاء والثّنائيّات المغلقة، والأحكام المسبقة.
هذا نهج العقلاء، وأمّا نهج الصّغار فهم من يبحثون في بطون الكتب عن جزئيات مفرّقة، ويظهرونها بعيدا عن سياقاتها الظّرفيّة والمعرفيّة، ويحاكمونها بحكم المذهب الّذي ولد فيه واقتنع به، ويبرّر ما يضخمه الآخر من جزئيّات في تراثه، ويضخم هو ذاته جزئيّات تراث الآخر، يعيشون في دائرة تجهيليّة مغلقة، يصورون للنّاس باسم المناظرات أو غيرها أنّهم بهذا منتصرون للحقّ، وعالمون بالآخر، والحقيقة كلاهما يقدّم وهما باسم المناظرة المعرفيّة، والّتي ينبغي أن نتجاوزها إلى فهم الآخر، والبحث عن الجامع المحقّق للعيش والواقع والنّهضة والإحياء في لحظتنا الظّرفيّة المعيشة.
