هذه المقالة كتبت على إثر مقالة: “لماذا رحلت يا أبا ماجد قريبا” لبدر العبريّ
عرفت الصديق الراحل مطلع عام 2019م، شخصية منفتحة على الآخر المختلف، دمثَ الأخلاق، طيّبَ المعشر، وجمعتنا العديد من اللقاءات، وخضنا نقاشات موسّعة حول قضايا متعددة، ولا يزال الواتساب يحفل بالعديد من صوتيّاته؛ كانت آخرها صوتيّة تربو على عشرين دقيقة قبل أيّام من رحيله، وكأنّه كان يودع شيئًا من روحه في الكلمات، ويترك في نبراته ما يعجز الحرف عن حمله من أثر الوداع.
وحين قرأت ما خطّه الصديق بدر العبري في رثاء الأستاذ خميس العدوي، لم أقرأ مقالا تأبينيًّا عابرا، بل وقفت أمام نصّ يفيض من قلب عرف الفقيد معرفة الصحبة، وأدرك فيه ما لا تدركه السِّيَر المختصرة ولا تنقله البيانات الرسمية؛ إذ استطاع الكاتب أن يزيح عن خميس العدوي صفة المسؤول الثقافي، ليعيده إلى موضعه الحقيقيّ، إنسانًا شكّل ظاهرةً ثقافيةً حيّة، وروحًا ظلّت تتحرّك بين الناس، تبثّ المعنى، وتصنع الجسور، وتعيد للثقافة وجهها الإنسانيّ النبيل.
لقد أصاب بدر العبري حين جعل من الروح الثقافية مفتاحًا لفهم شخصية خميس العدوي؛ لأنّ بعض الرجال لا تختصرهم المناصب، ولا تستوعبهم السير الذاتية، بل يعرفون بأثرهم في النفوس، وبذلك الامتداد الخفيّ الذي يتركونه في حياة الآخرين، فالعدويّ، كما يظهر في هذا الرثاء، لم يكن مجرّد باحثٍ أو مثقفٍ أو إداريّ ناجح، بل كان حاملًا لمشروع أخلاقيّ في الثقافة، يرى فيها مساحة للقاء لا للافتراق، وجسرًا للحوار لا ساحة للتنازع.
ويكاد المرء، وهو يتأمّل هذه الشهادة الصادقة، يلمح صورة رجلٍ اختار أن يكون أكبر من الاصطفافات، وأرحب من الحدود الضيّقة التي تحاصر كثيرًا من العقول، رجلٌ كان يرى في الاختلاف إمكانًا للتعارف، لا ذريعةً للخصومة؛ وفي التنوّع المعرفيّ فرصة للتكامل، لا مدعاةً للتعالي، وهذه في الحقيقة، ليست خصلةً عارضة، بل هي جوهرٌ فكريّ وإنسانيّ نادر، خصوصًا في زمن بات فيه كثيرٌ من المثقفين أسرى مواقفهم، لا أسيادًا لها.
ويحسن الكاتب حين يبرز جانبًا بالغ الدلالة في شخصية الراحل، وهو وعيه الحادّ بفكرة الأثر والتوثيق؛ كأنّ خميس العدوي كان يدرك، في قرارة نفسه، أنّ الإنسان يمضي سريعًا، لكنّ ما يكتبه ويزرعه في الآخرين هو وحده ما يبقى، وعليه فإنّ حديثه عن ضرورة حفظ تراثه في منصّة جامعة لا يبدو مطلبًا تنظيميًّا فحسب، بل نداء أخلاقيًّا عاجلا.
ذلك أنّ أخطر ما قد يصيب المجتمعات الثقافية ليس فقدان رموزها بالموت، بل فقدان قدرتها على حفظهم بعد الرحيل، كم من مفكّرٍ غاب، فغابت معه مكتبته،
وكم من باحثٍ رحل، فتفرّقت أوراقه بين الأدراج، وضاعت تسجيلاته، وتبدّد جهده في ذاكرةٍ شفهيّةٍ سرعان ما يأكلها النسيان!
إنّ خميس العدوي، بما تشير إليه هذه المقالة، لا ينبغي أن يُرثى بالكلمات وحدها، ولا أن يُشيَّع بالدموع فقط، لأنّ الدموع – مهما صدقت – لا تحفظ فكرًا، ولا تؤسّس ذاكرة، إنّ الوفاء الحقيقيّ له يبدأ من تحويل إرثه إلى مشروعٍ حيّ، أن تتكاتف المؤسسات الثقافية في سلطنة عمان، وفي مقدّمتها وزارة الثقافة والرياضة والشباب، والجمعية العمانية للكتّاب والأدباء، والنادي الثقافي، ومركز الندوة الثقافي، على جمع أعماله المنشورة والمخطوطة، ومقالاته الصحفية، ومحاضراته المسجّلة، وحواراته الفكرية، في أرشيفٍ رقميّ مفتوح، يتاح للباحثين والمهتمين.
أن يخصَّص له كرسي بحثيّ أو جائزة سنوية تحمل اسمه، تعنى بالدراسات الفكرية والثقافية التي كان يحمل همّها، أن يعاد نشر مؤلفاته في طبعاتٍ علميّةٍ محقّقة، تُقدَّم للأجيال الجديدة، لا بوصفها نصوصًا من الماضي، بل بوصفها أدواتٍ لفهم الحاضر، أن ينهض محبّوه وتلاميذه بمسؤوليّة الوفاء؛ لا بالاكتفاء باستعادة ذكراه، بل بمتابعة أسئلته، واستكمال ما بدأه من حوارٍ مع الفكر والدين والثقافة.
فالرجل الذي رفض التمذهب الضيّق، وانحاز إلى إيمان الفطرة وإلى أخلاق الإنسان، لا يليق به أن يتحوّل بعد رحيله إلى مجرّد اسمٍ يتداول في مناسبات النعي، بل إلى مدرسةٍ تُستلهم، إنّ السؤال الذي يتركه لنا رحيل خميس العدوي ليس: لماذا رحل باكرًا؟ فذلك سؤالٌ تجيب عنه حكمة الله التي لا تدركها عقولنا، بل السؤال الأجدر أن يطرح علينا نحن: ماذا سنفعل بكلّ هذا الضوء الذي تركه خلفه؟ هل سنتركه يتبدّد شيئًا فشيئًا في ذاكرة الحزن؟ أم سنجمعه، ونصونه، ونحوّله إلى منارةٍ تهدي من يأتي بعدنا؟ ذلك هو الامتحان الحقيقيّ للمؤسسات، وللأصدقاء، وللتلاميذ، وللمحبّين، فبعض الراحلين لا يحتاجون إلى رثاءٍ جديد، بقدر حاجتهم إلى وفاءٍ جديد، وخميس العدوي، فيما يبدو من سيرته وأثره، واحدٌ من هؤلاء الذين لا يُكرَّمون بالبكاء عليهم، بل بالعمل لأجلهم.
فهل نفعل؟
خليفة بن سيف الحوسني، الغبرة الجنوبية، 21/05/2026م

