شهادات عن صاحب الموقع

العماني بدر العبري: قراءة في إنتاجه المعرفي

الكاتب البحريني: الدّكتور محمّد الزّكري القضاعي

2 فبراير 2026م

في عام 2011 طلبت الصداقة الفيسبوكية مع العماني الأستاذ بدر العبري، وبعدها بسنوات قلائل طلبت رقم جواله، ومن ثم تطورت علاقتي معه على عدة محاور وأصعدة كتابية ونقاشية.

له مجموعة من الكتب امتلكت أغلبها، في هذه المبادرة أقوم بعرض بعضها: كتاب القيم الخلقيّة والإنسان (رؤية قرآنيّة). كتاب يتحدّث عن القيم مع الإسقاط القرآنيّ، وكتاب أيام رمضان. ويحتوي على بحث فضائل رمضان في التّراث العمانيّ (دراسة تحليليّة نقديّة) وبحث زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفيّة النّص، ومطويّة مفطرات الصّيام المعاصرة، ومطويّة الذّبح في عيد الفطر: رؤية شرعيّة، وكتاب إضاءة قلم، سلسة بحوث وأنشطة قصيرة، وهو تجميع لأهم البحوث القصيرة والمناشط ويحتوي على: التّسامح الفقهيّ في سلطنة عمان، والثّقافة العربيّة والحراك الاجتماعيّ، والرّحلة القميّة (فنّ الرّحلات)، والرّحلة الكويتيّة (فنّ الرّحلات)، وأيام قليلة في القاهرة، وكتاب الجمال الصّوتيّ: تأريخه وفلسفته الفقهيّة [مراجعة في النّص الدّينيّ حول الغناء والمعازف]، وكتاب الإنسان والماهية: محاورات في الدّين والفلسفة والشّأن الإنسانيّ، مع المفكر صادق جواد سليمان، وكتاب التّعارف، تعريف بالذّات، ومعرفة بالآخر، وكتاب لاهوت الرّحمة في ضوء الفردانيّة: جدليّة الأنسنة والهويّة والظّرفيّة،

وكتاب فقه التّطرّف، وغيرها.

في 29 من شهر يوليو (تمّوز) من عام 2023 سعدت بلقاء الأستاذ بدر العبري في مملكة البحرين. في ذلك اللقاء أهداني نسخة من كتابه ” لاهوت الرّحمة في ضوء الفردانيّة”. والذي تشرفت أن قمت باستعراضه ونشرته في مجلة شؤون عمانية تحت العنوان ” بدر العبري: المثقف الفَرْدَانِي والنقد من أجل التعايش.. قراءة في كتاب “لاهوت الرحمة””.

ولقد لفت انتباهي حجم ما يبديه المفكر العماني الأستاذ بدر العبريّ من التزام عميق بقضية التعايش. والأهم أن من عرفه عن كثب يدرك أن مسألة التعايش تتناغم مع شخصيته العمانية المسالمة. كتابه “لاهوت الرحمة” يمثل نموذجاً فريداً يجمع بين الفكر النقدي وأطروحات التعايش، مستخدماً مصطلحات متشابكة تعكس تفاعلاته مع أحداث العالم وسرديات التاريخ.

يقدم العبري في “لاهوت الرحمة” نهجاً يمكن وصفه بـ”ما بعد المانيفستو”، حيث يتناول تطورات المجتمع التاريخية بأدوات الدياليكتيك الهيجلي، التي يسميها بـ”الجَدَلِيّات”. هذه الجَدَلِيّات ليست مجرد طريقة فلسفية، بل هي وسيلة لاستكشاف مدى إمكانية الفرد في الحفاظ على قناعاته وسلوكياته الخاصة، مع البقاء جزءاً من الجماعة.

السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب هو: هل يمكن للإنسان أن يكون “فرداً” وفي نفس الوقت جزءاً من الجماعة؟ يستعرض الكتاب تباينات بين ثقافة الفردانية في الغرب، التي تُمجد الفرد على حساب الانتماء الجماعي، وبين الحاجة إلى تحقيق توازن يحافظ على فرادة الفرد دون عزله عن مجتمعه.

يتناول الكتاب أيضاً جذور مفهوم “الفردانية” من منظور لاهوتي، متسائلاً عن معنى كون الله “فرداً” قبل خلق المخلوقات، ومدى تأثير هذه الفردانية على الخلق. يناقش العبري مدى توافق الفردانية مع مفاهيم الأنسنة الاجتماعية، مشيراً إلى أن التعايش يتطلب نقاشات مستمرة وتفاعلات بين الأفراد والجماعات لتحقيق فهم أعمق وأشمل للحياة المشتركة.

نشاط بدر العبري وقلمه السّيّال لم يجذب انتباهي فقط. فكل مثقف عربي جاد ومعتدل التفت بشكل أو بآخر إلى نشاطات بدر. طلب مني نشطاء من النخبة العربية في المهجر الألماني أن أجري لقاء حوار معه لصالح “مجلّة آراب الألمانيّة” النّاطقة بالعربيّة بعنوان: “حوار مع بدر العبري، أشهر يوتيوبر في سلطنة عمان” فالحقيقة مختصرا أن أي مثقف عربي لا يستطيع إلا أن يتوقف معجبا بتسجيلات الأستاذ بدر العبري “اليوتيوبية” المنشورة في قناته “أنس”. سألته في ذلك اللقاء: الإنسان في أيام الكهف كتب مستخدما الصور ولم يستخدم الحروف. هل ترى أن عصر الحروف يندثر ويعود علينا عهد الصورة والصوت ليحل محل الكتاب؟

وما أجمل رده البليغ عندما رد قائلا: لست هنا في بيان جدلية أنّ السّمع أقوى في التّأثير أم البصر، ولا شك عقلا وأثرا نقشيّا أنّ مرحلة السّماع سابقة على المراحل الأخرى من التّوثيق، وتطور الإنسان معه، بل تعود أحيانا وتكون الأقوى كما في العصر الجاهلي عند بعض العرب، وإن كان العديد منهم كان يستخدم الكتابة وسبل التّوثيق. واليوم في وسائل التّواصل الاجتماعيّ رجعت مرحلة السّماع لتنافس مرحلة القراءة بقوّة، فلم تعد مقتصرة على مجالس معينة في الأسواق أو المساجد أو الطّرقات أو بعض البيوت؛ بل أصبحت ملازمة للإنسان، فأصبح اليوتيوب يعطي مادّة سمعيّة وبصريّة غزيرة، وتنافس عمق الكتب، بل وتقرّب المادّة العلميّة، وكذا الحال في السّاوند كلاود، بيد أنّ القراءة حاضرة أيضا منها العميق كما في الفيس بوك والمجلات، ومنها دون ذلك كما في تويتر”.

جوابه دفعني إلى السؤال التالي: ما الدّافع لإنشاء القناة يوتيوب ومتى أسست؟

فأتى الجواب كالتالي: بداية افتتحت القناة عام 2015م، إلا أنّ الافتتاح الرّسمي وبداية استغلالها في النّصف الثّاني من عام 2018م، حيث اهتديت إلى شراء هاتف سامسونج A7، وتعلّمت سريعا برنامج Kine Master عن طريق اليوتيوب لغرض ترتيب التّسجيل، واشتريت حاملا وناقل صوت، فكانت طريقة بسيطة بدأتها مع برنامج حوارات، وحتى الآن خلال سنتين ونيف سجلت قرب مائة حلقة في مختلف الجوانب الفكريّة والتّعايشية والتّنويريّة والنّقديّة والتّعارفيّة، بجانب (دشنت) خلال عام برنامج الحوار المفتوح، وحاليا في هذا الشّهر كان برنامج المجالس العلميّة، وقريبا بإذن الله تعالى برنامج ليالي عربيّة ودوليّة. أمّا السّبب لإنشاء قناة فهو إيجاد منصّة علميّة وتنويريّة حرة، تناقش القضايا ونتعرف على الآخر بعيدا عن الأيدولوجيات السّياسيّة والدّينيّة والمجتمعيّة، ولهذا سميتها بأنس بضم الهمزة أي من الأنس والإنسانيّة، فاستطعنا بحمد الله أن نقترب ونجلس ونتعرّف على الآخر سواء في المذاهب الإسلاميّة بأنواعها، أو التّوجهات المعاصرة كاللّبراليّة والعلمانيّة والعلمويّة والحداثة وغيرها، أو على مستوى الأديان كالزّرادشتيّة، والبوذيّة، والفيدس من الهندوسيّة، والسّيخيّة، والبهائيّة، واليهوديّة، والبروتستانتية اللّبراليّة، والأرثدوكس، واللّوثريّة، والمشيخيّة، والمورمون، والمعمدانيّة، والموارنة، والصّابئة مثلا.

فكان السؤال التالي مسألة لابد منها: إنني أرى أنك مثقف من الطراز الرفيع ذو مشاريع فكرية. فما هي رؤيتك الثقافية؟

لا أزعم أنّه لديّ مشاريع، فلا زلت باحثا بسيطا، وحاليا بطبيعة الحال أعمل على القناة، وتحويل بعض موادها إلى كتب، أنهيت حاليا كتاب المدرسة الزّيديّة، والآن أعمل على كتاب حول آراء المفكر العماني صادق جواد الفكريّة والفلسفيّة من حوارات القناة، حيث لنا مشروع معه من عشر حلقات يتحوّل إلى كتاب – بإذن الله تعالى -، سجلنا حاليا ثلاث حلقات، وكذا مشروع الأديان.

وأمّا المشاريع الخارجيّة عن القناة فكان لنا مشروع نقد التّطرف وأنجزنا فيه وصدرت مثل كتاب: القيم الخلقيّة والإنسان، وفقه التّطرف، وإضاءة قلم في التّعايش، والجمال الصّوتي مثلا، والآن اشتغل على مشروع الأنسنة، وحاليا انتهي قريبا من كتاب الظّرفيّة التّدبيرية في التّعامل مع النّص الدّيني وهو مقدّمة لمشروع أنسنة التّأويل، وأنسنة الدّولة، وهي أعمال متواضعة في الجملة من باحث بسيط.

قام المصري الأستاذ أحمد سعد زايد في 26 أبريل 2021م بإجراء لقاء مع بدر العبري، ونشر الحلقة تحت عنوان: ” أعرف الإباضية – هل هم خوارج مع بدر العبري “.

ثم في عام 3 مايو 2021م قام المصري إبراهيم عيسى صاحب حلقات “مختلف عليه” باستضافة بدر العبري تحت عنوان ” باحث عماني يحكي تاريخ الإباضية.. كيف نشأ المذهب؟”

الرأسمال الرمزي ودوره في تعزيز القوة الناعمة لسلطنة عمان، الرأسمال الرمزي هو مفهوم سوسيولوجي بلوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu). يشير إلى المكانة التي يكتسبها الفرد أو الجماعة أو الدولة بفضل امتلاكها سمات محددة مثل الشرف والهيبة والشهرة والسمعة، والتي تحظى بتقدير المجتمع المحلي والإقليمي والدولي. من أبرز أنماط الرأسمال الرمزي “الشهرة عبر وسائل الإعلام”، والتي تُعَد أحد أشكال الرأسمال الرمزي المهيمنة في العالم المعاصر، خاصة في سياق الهوية الوطنية.

من الحكمة القول إن السلطان هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد (11 أكتوبر 1955 / 23 صفر 1375 هـ -)، سلطان سلطنة عمان ورئيس مجلس الوزراء، قد أدرك أهمية تمكين الشباب العماني المثقف في المجالين الثقافي المحلي والإقليمي. لبناء سمعة سلطنة عمان على محور القوة الرمزية التي يمثلها المثقفون العمانيون يشكل مكسبًا كبيرًا في مجال الرأسمال الرمزي، وقد بدأت السلطنة بالفعل تجني ثماره.

في هذا السياق، قام وزير الثقافة والرياضة والشباب سابقا، السيد ذو يزن بن هيثم آل سعيد، في 18 سبتمبر، بإصدار قرار وزاري بتشكيل جديد لمجلس إدارة النادي الثقافي لمدة ثلاث سنوات. يتولى الدكتور محمد بن علي البلوشي رئاسة المجلس، ويشغل الفنان التشكيلي الدكتور سعود بن ناصر الحنيني منصب نائب الرئيس، بالإضافة إلى عضوية الدكتورة منى بنت حبراس السليمية، وبدر بن سالم العبري، ومعاوية بن سالم الرواحي. هذا التشكيل يعكس رؤية السلطنة لتعزيز الرأسمال الرمزي عبر دعم المثقفين والفنانين العمانيين ودورهم في تعزيز الهوية الوطنية على الساحة الثقافية.

هنا نشاهد ظهورا أبعد لبدر العبري مع لفيف من المثقفين والمثقفات العمانيات لتشكيل حراك ثقافي هادف ورصين ومعتدل في الخليج العربي. في خصوص الفضاء الكوني والدور العماني يقول بدر العبري: أريد أن ترتبط قناة أنس بالإنسان، وأن لا أجعل المستمع أو المشاهد لصيق جغرافيا أو هويّة معينة؛ لأنّ الفضاء الواسع يجعل الإنسان مبدعا خلاف الفضاء الضّيق، لهذا لم يكن هدفي أن أحصر نفسي في إقليم أو مذهب أو دين معين، وإنّما أكون مرتبطا بالذّات الإنسانيّة كذات مستقلّة بعيدا عن أيّ توجه ضيّق يحصرها في زاوية ضيّقة، ولإيمانيّ أنّ التّعدديّة بين البشر ثراء للمجتمع البشري جميعا، وعلينا أن نخرج من الهويات الضّيقة إلى الإنسانيّة الواسعة، ومع هذا تركت لكوني في عمان مجالا لمفكريها وكتّابها ومعارفها، وهناك العديد من الرّموز العمانيّة وعن التّعايش والتّأريخ والثّقافة والواقع العماني في القناة.

من صفحة الزّكري على فيسبوك

السابق
The Current Arab Situation Between the Politician and the Intellectual
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً