السّبت 1 ذو القعدة 1447هـ/ 18 أبريل 2026م
نبهان الحنشيّ تعود معرفتي به إلى 2011م، عندما كان في الزّوايا يلتقط الصّور بكامرته وهاتفه، ليوثق الحدث بطريقته، كما وثقها بشاعريّته، ليس من الّذين يتسابقون إلى صدر المجلس، وليس من الّذين لا يرغبون أن يفارقوا مكبّر الصّوت، ولم يدّع أنّه فيلسوف أو محلّل، ولم يسهب في ذكر نتاجه وأمجاده، كان يبحث عن شيء واحد، عن الإنسان، إذا أدركنا من هو الإنسان، وماذا تعني المساواة، وماذا تعني العدالة، وماذا تعني الكرامة الإنسانيّة، وماذا تعني الحريّة، حينها سندرك ماذا يعني الوطن، فلا وطن بلا إنسان، إذا علينا أن نبدأ بالإنسان، وإذا أدركنا الإنسان سندرك حتما الوطن.
هنا عبّر نبهان الحنشيّ عن حبّ الوطن من خلال الإنسان ذاته، إذا كانت عُمان جزءا من كيانه الكسبيّ، إلّا أنّ الإنسان هو كيانه الوجوديّ. هنا أدركت نبهان لا يمايز بين أحد، هو يحلم كأيّ عربيّ بوطن ينطلق من الإنسان، فتراه مدافعا عن الجميع، ومناصرا للقضايا الحقوقيّة؛ لأنّ الغاية واحدة، هذا لم يرفع عنه حبّه الطّبيعيّ لبلده، وكأيّ شابّ وهو في بداية الثّلاثين من عمره حينها، سيعبّر عن حبّه من خلال أحلامه، قد تهيّجها نشوة الشّباب، وقد تعقلها حكمة الشّيوخ، لكنّه بقيّ محبّا لإنسانيّته ووطنه، وشاء القدر أن يرحل سريعا وهو في قوّة شبابه، أن يرحل حاملا معاناة المرض، ومعاناة ما نتج من أحلامه، كلاهما جرحان أليمان، لكنّه كان مدركا أنّ الإنسان لصيق المعاناة، لصيق الآلام، وكلّما كثرت أحلامه كثرت معاناته، ومن هذه المعاناة يخلق الأمل، ومن مواجهتها تبنت الأفكار شجرا مثمرا.
هذه عُمان الّتي احتضنته في طفولته وبدايات شبابه، تحتضنه بعد رحيله، ليعود إلى تربتها، ويتناثر جسده مع نشأته الأولى في كينونتها، وعُمان الّتي اختلفت حوله بالأمس كطبيعة الاختلاف مع الأفكار والتّوجهات وطرق الإصلاح؛ لكنّها أجمعت حبّا ودعاء ومودة في رحيله، ودعته ابنا لها، محقّقة لفلسفة نبهان ذاته، أنّ حبّ الإنسان أوسع بكثير من حياتنا طالت أم قصرت، فإذا أردنا أن ننظر إلى الوطن علينا أن ننظر إليه من خلال الإنسان، وإذا نظرنا إليه من خلال الإنسان؛ حينها يغلب الحبّ الوجوديّ مع أيّ مختلف، وندرك أنّ الجميع بإنسانيّته يحبّ وطنه، ولكن لكلّ طريقته في التّعبير عن ذلك، وما ضاق في وقت الرّخاء يتسع في وقت الشّدّة، فرحم الله نبهان، وخلّد روحه في محبّته وكرامته.
