حوارات أُنس

لماذا اعتبر هانز هوبا الديمقراطية نظاما فاشلا؟ مع مترجم كتاب “الديمقراطية الإله الذي فشل”

كلمة الدّكتور والمترجم للكتاب نادر كاظم ضمن الأمسية الكورونيّة: قراءة في كتاب: الدّيمقراطيّة الإله الّذي فشل للدّكتور هانز هوبا، يوم الأربعاء ١٥ أبريل  ٢٠٢٠م السّاعة الثّامنة مساء.

تحرير: بدر العبريّ

مداخلة الدّكتور نادر

أهلا بكم، هذه فرصة لنتواصل بشكل مباشر مع الأهل والأصدقاء في عُمان.  موضوع اللّقاء عن كتاب “الدّيموقراطيّة الإله الّذي فشل” لهانز هيرمان هوبا. الكتاب الحقيقة واحد من أهم الكتب الّتي صدرت لفرانز هوبا، والمؤلف أستاذ الاقتصاد من أصل ألمانيّ، كان تلميذا يورغن هابرماس (ت: 2026م)، المفكّر الألمانيّ المعروف، ثمّ اكتشف أنّ الميول اليساريّة لدي هابرماس لا تتناسب مع ميوله، أو مع توجهه الفكريّ، فاضطرّ إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة، حدث بينه وبين موراي روثبارد (ت: 1995م) اتّصال مكثّف.

وكان هوبا أستاذ اقتصاد، لكنّه أيضا من المفكّرين المهمّين الّذين يشتغلون في مجالات متعدّدة، تبدأ من الاقتصاد إلى الفلسفة السّياسيّة والتّاريخ وحتّى التّفكير في القضايا اليوميّة المرتبطة بالهجرة، وواقع الحياة اليوميّة.

كتاب “الدّيموقراطيّة الإله الّذي فشل” صدر باللّغة الإنجليزية في عام 2001م. عربيّا لم يكن هناك التفات كبير إلى الكتاب، بل لم يكن هناك التفات إلى التّوجه الفكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ الّذي ينتمي إليه هوبا، أقصد المدرسة النّمساويّة والفكر واللّيبرتاريّ الحديث.

فكرّنا في ترجمته في 2019م، وصدر عن منشورات تكوين في الكويت، والعنوان صادم بالذّات للقارئ العربيّ الملتهث للدّيمقراطيّة، والّتي يحلم بها وإن لم يرها، أو لم يذقها لحدّ الآن. لكن الفكرة الأساسيّة من وراء ترجمة الكتاب حتّى يطّلع القارئ العربيّ على أفكار وتفسيرات مختلفة. هذه فرصة أمامه ليطّلع على تصوّر وتفسير وتحليل مختلف.

فكرة هوب الأساسيّة مرتبطة بنزع الشّرعيّة عن الدّيمقراطيّة كنظام حكم على الأقل. بدأت فكرة الدّيمقراطيّة أواخر القرن الثّامن عشر الميلاديّ مع الثّورتين الأمريكيّة والفرنسيّة، ولاحقا بعد الحرب العالميّة الثّانية، وانتشار النّظام الجمهوريّ، وانهيار متوالي للأنظمة الملكيّة في أوروبا على الأقل، ولاحقا حتّى في العالم العربيّ حتّى الخمسينات والسّتينات من القرن الماضي.

ضمن هذا السّياق وجدت الدّيمقراطيّة على أنّها نظام حكم إن لم يكن مثاليّا؛ فعلى الأقل هي أفضل أنظمة الحكم، أي حسب تعبير تشرسل هي أقلها سوءا، أو هي أفضل السّيئين إذا قرنت ببقيّة أنظمة الحكم السّياسيّة الأخرى.

ما فعله هوب هو نزع الشّرعيّة عن هذا التّصوّر، وأنّ الدّيمقراطيّة ليست نظام حكم مثالي؛ بل يمضي إلى أكثر من هذا؛ ليصف الدّيمقراطيّة بأنّها نظام حكم شرّير، وينتج شرورا كثيرة، ونظام قائم على الزّيف والكذب، إلى آخر الأوصاف السّلبيّة في نظام الحكم الدّيمقراطيّ.

يبدأ هوب بمقارنة في ظاهرها بسيطة بين النّظام الدّيمقراطيّ والنّظام الملكيّ، فيرى أنّه إذا خيّر المرء في أن يعيش في دولة ما؛ فالأفضل له أن يعيش اقتصاديّا وأخلاقيّا في نظام حكم ملكيّ، وليس في حكم جمهوريّ ديمقراطيّ.

وهذا التّفضيل النّسبيّ للنّظام الملكيّ على حساب النّظام الجمهوريّ أو الدّيمقراطيّ قائم على مفهوم أساسيّ في المدرسة النمساويّة، وهو التّفضيل الزّمنيّ، بمعنى أنّ كلّ أفعالنا كبشر محكومة بشكل أو بآخر بنوع من التّفضيل الزّمنيّ لإشباع الحاجات بشكل عاجل أكثر من إشباعها بشكل آجل.

البشر بطبيعتهم يفضّلون أن يحصلوا على حاجاتهم، أو يشبعوا حاجاتهم الآن، ولا يشبعوها في المستقبل، أو على حساب إشباعها في المستقبل، وبالتّالي فيه تفضيل زمني مرتبط بتصرّفاتنا، أي أن أقوم بهذا الفعل أو أمتنع عن قيام الفعل بناء على التّفضيل الزّمنيّ الّذي يعتمده الشّخص لنفسه.

فكرة التّفضيل الزّمنيّ معتمدة أساسا على فكرة سابقة عليها هي فكرة محدوديّة الزّمن، أو مسألة عدم اليقين في بقائنا في المستقبل القريب والبعيد. الآن نحن موجودون، وعندنا سنوات محدودة لنبقى على قيد الحياة، أو على الأقل لنقوم بأفعال وتصرّفات، ولا أحد يضمن بالضّبط إلى متى سيعيش، وبالتّالي على الإنسان أن يتصرّف بناء على واقع أنّه لديه وقت محدود ليتصرّف فيه، فماذا يقدّم وماذا يؤخّر، بناء على هذا النوع من التّصوّر نجد عامّة النّاس يفضّلون إشباع حاجاتهم الآن.

إشباع الحاجات آنيّا حسب هوب لا ينتج حضارة ولا ثروة، بمعنى آخر لا ينتج نظام حكم، ولا نظام اجتماعيّ واقتصاديّ مستدام ومزدهر على المدى الطّويل. عامّة الناس يفضلّون هذا النّوع من التّفضيل الزّمنيّ المرتفع مقابل المستثمرين وأصحاب البنوك الّذين يفضلّون الزّمن المنخفض، أي أنّهم مستعدّون أن يضعوا أموالهم، وينفقوا ويقرضوا أموالهم مقابل أن يسترجعوها بشكل أكبر في المستقبل، هذا الفرق الأساسي بين النّوعين من التّفضيل.

هوب يرى أنّ النّظام الملكي لكون الملك فردا يحكم إلى آخر عمره، إذا لم تحصل أيّ طوارئ أو ظروف تعطّل العمليّة سيحكم إلى آخر عمره، ثمّ يورث الحكم والمملكة إلى أبنائه أو إلى أحد أفراد عائلته، وبالتّالي ليس لديه عجلة في الزّمن ليشبع حاجاته بشكل سريع حتّى يفوته.

لدي النّظام الملكيّ تفضيل الزّمن المنخفض على هذا الأساس، في حين أنّ النّظام الجمهوريّ والدّيموقراطيّ لأنّه يبقى في انتخابات دوريّة تتغيّر كلّ أربع أو خمس سنوات، فالتّغيير يعني تداول السّلطة، يفرض هذا تفضيل الزّمن المرتفع، أي من هم في السّلطة سيفكّرون بنفس عقليّة اللّصوص أو الّسراق، أي الحصول على أكبر قدر ممكن في أسرع فترة ممكنة؛ لأنّ الانتخابات قد تغيّر الأسماء، يعني قد تأتي بعد خمس سنين حكومة مختلفة، ورئيس وزارة مختلف.

الأمر الآخر أنّ فكرة الدّيموقراطيّة أساسا قائمة على الدّيماغوجيّة بمعنى دغدغة مشاعر الشّعب والجمهور للحصول على أصواتهم الانتخابيّة بكذب ووعود كاذبة، وبخطابات وشعارات قومجيّة، وأحيانا عنصريّة.

في تصوّر الفكر اللّيبرتاريّ بشكل عام لا يفوز في الانتخابات إلّا من كان كذّابا ومرتشيا وديماغوجيّا وصاحب شعارات كاذبة.

أخلاقيّا النّظام الملكيّ أفضل من النّظام الجمهوريّ من منطلق آخر، بمعنى أنّ الأنظمة الدّيموقراطيّة والجمهوريّة تقوم أساسا على فكرة سيادة الشّعب، وباعتبار أنّ غالبية الشّعب يكونون إمّا من طبقة وسطى، أو من طبقة دنيا، وبالتّالي هم سيفرضون بشكل أو بآخر على الرّؤساء، أو رؤساء الوزراء، أو حتّى نواب البرلمانات المنتخبين؛ يفرضون عليهم بشكل أو بآخر فرض إعادة توزيع الثّروة، بمعنى أن تأخذ ممّا لدى الأثرياء والأغنياء وأصحاب الثّروات، وتوزعها على المحتاجين في شكل ضمان اجتماعيّ، أو تأمين صحيّ، أو رعاية اجتماعيّة، أو أيّ شكل من أشكال إعادة توزيع الثّروة في النّظام الجمهوريّ.

بالنسبة للمدرسة النمساويّة واللّيبرتاريّة بشكل عام ترى أنّ فرض الضّرائب هي بشكل أو بآخر من أنواع السّرقة، هي نقل ملكيّة من طرف سعى واجتهد للحصول على هذا الثّروة إلى طرف آخر سيحصل عليها مجانا دون أن يبذل أيّ جهد. الأنظمة الملكيّة ستكون أخلاقيّة أكثر لأنّها لا تقوم على السّرقة بشكل فرض ضرائب مرتفعة على أصحاب الثّروات.

من جهة أخرى يستنتج أنّ في الأنظمة الجمهوريّة والدّيمقراطيّة ستتولد مجموعة من المشكلات والشّرور والسّلبيّات بشكل تلقائي، وستكثر الجرائم والسّرقات وحالات التّفكّك الأسريّ والطّلاق، إضافة إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل، والمستفيدين من أنظمة الرّعاية الصّحيّة، والضّمان الاجتماعيّ المجانيّ.

يفترض هوب أنّه في علاقة ضروريّة بين الحالتين، بمعنى أنّه يفترض أنّه توجد حقائق في الواقع محكومة بنوع من قوانين الطّبيعة أو القوانين الطّبيعيّة، فهذه واحدة من القوانين بمعنى إذا ترك النّاس بلا تدخل من قبل جهة إشرافيّة مثل الدّولة فالنّاس ستتصرّف وفق هذه العلاقات الضّروريّة أو القوانين الطّبيّعة الّتي يفترضها هوب.

النّقطة الأخرى هوب لا يفضّل النّظام الملكيّ بشكل مطلق، هو يفترض أن النّظام الملكيّ لديه أفضليّة نسبيّة على النّظام الدّيموقراطيّ الجمهوريّ، ولكن كلا النّظامين معيبين، النّظام الملكي فيه عيوب كبيرة، والنّظام الجمهوريّ فيه عيوب كبيرة أيضا.

هو كليبرتاريّ أو كفوضويّ ضدّ وجود فكرة الدّولة أصلا، وضدّ وجود جهة أو جهاز يحتكر السّلطة، ويحتكر القرار وفرض التّشريع وفرض الضّرائب والموارد العامّة داخل إقليمها.

يفترض أنّ النّظام المثاليّ المطلق الأفضل في هذه الحالة هو ما يسمّي بالنّظام الطّبيعيّ. فكرة النّظام الطّبيعيّ موجودة في الفكرة اللّيبرتاريّ والفوضويّ بشكل أو بآخر بمعنى أنّ الأنظمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة، أو كلّ نظام إذا ترك من دون تدخل جهة ما إشرافيّة، بالذّات جهة ما محتكرة، فيشتغل بصورة أفضل ممّا لو حصل التّدخل، أي أفضل النّظام هو الّذي ينعدم فيه نظام الإشراف والاحتكار، فالنّظام الاقتصاديّ والسّياسيّ والاجتماعيّ الّذي لا تتدخل الدّولة في إدارته ولا في الإشراف عليه سيكون أفضل ممّا لو تدخلت الدّولة في إدارته والإشراف عليه، هذا فكرة النّظام الطّبيعيّ.

الجانب الآخر أنّ النّظام الطّبيعيّ عند هوب وعند اللّيبرتاريّين بشكل عام قائم على فكرة وجود حقّ مطلق، وحقّ الملكيّة الخاصّةّ لأنفسنا كأفراد، والفرد يمتلك ذاته بشكل حصريّ، إضافة أنّه يمتلك ثمار عمله واجتهاده. فالملكيّة الخاصّة هي الفكرة الأساسيّة أنّه إذا ترك الأفراد يديرون شؤونهم وفق احترام كلّ طرف لملكيّته الخاصّة وملكيّات الآخرين الخاصّة، وفق نظام تنافسّي رأسماليّ يمكن أن يزدهر بهذا الشّكل، على خلاف ممّا لو أدير بشكل مركزيّ من قبل جهة مركزيّة مثل الدّولة، فالأمور ستختلف جدّا، أي بمعنى أنّ تكاليف إنتاج أي خدمة كانت عالية أو منخفضة ستكون منخفضة الجودة، على خلاف تكاليف إنتاج وجودة الخدمات والسّلع في ضلّ نظام قائم على الملكيّة الخاصّة والتنّافسيّة.

التّنافس بين الأفراد أو حتّى المنظمات والشّركات يفرض عليهم ضمن سياق التّنافس أن تنتج سلعة وخدمة بجودة أفضل، وبسعر معقول أو مقبول من قبل المستهلكين.

هناك سؤال طرح بشكل أو بآخر في هذا التّصور، يبدو أنّ هذا التّصور يمينيّ متطرّف، أو شبيه فيما يسمّى بالرّأسماليّة المتوحشة، هناك سؤال ينطرح في ظاهر الفكرة لا يختلف عن الأفكار الفوضويّة أو الأناركيّة، بالمعنى أنّ الأناركيّين أو الفوضوييّن أيضا يعتبرون أنّ عدم وجود دولة هو الأفضل لإدارة شؤوننا كأفراد أو كمجتمعات.

أيضا في ظاهرها هي شبيهة بالرّأسماليّة الّتي ترى أنّ التّنافس الحرّ والأسواق الحرّة هي الأفضل في إدارة الشّؤون الاقتصاديّة، وهي أفضل في الإنتاج، وأفضل أيضا للمستهلك، وفيها ازدهار اقتصاديّ يعود نفعه على الجميع.

أيضا يبدو في ظاهرها أنّها قريبة من اللّيبراليّة الكلاسيكيّة الّتي ترى أنّ المسألة الأساسيّة في هذا الشّأن هي ملكياتنا الفرديّة والخاصّة، وحقوقنا وحرّيّاتنا كأفراد، الفرق أنّ اللّيبراليّة الكلاسيكيّة تفترض أنّ الحاجة الضّروريّة لوجود جهة إشرافيّة عليا هي الدّولة، أو ما تسمّى دولة الحدّ الأدنى الّتي توكل إليها المهام الضّروريّة الأساسيّة المعتمد عليها، كحفظ الحرّيّات والحقوق والملكيّات الخاصّة بالأفراد داخل هذه الدّولة.

هوب يفترض أنّ الموضوع على الإطلاق ليس بهذه الصّورة، ومن الصّعب وجود دولة حدّ أدنى، هي فكرة أشبه بالخرافة؛ لأنّ الدّولة ما أن توجد حتّى تبدأ في التّوسع بشكل تلقائيّ إلى أن تتضخّم لتصبح دولة الحدّ الأعلى، أو الدّولة المركزيّة الّتي تحتكر السّلطة والقرار وفرض التّشريع والرّقابة، وتحتكر الموارد العامّة أيضا.

عند اللّيبرتاريّين أو المدرسة النمساويّة اللّيبرتاريّة بشكل عام أنّه لا يوجد شيء اسمه موارد عامّة، بمعنى أنّ الثّروات الموجودة في بطن الأرض، كالسّمك الموجود في البحار، وحتّى الطّرقات والشّوارع والمطارات؛ هذه ليست موارد عامّة، حسب التّصورات اللّيبرتاريّة إمّا أن تكون موارد خاصّة يمتلكها شخص أو جهة، أو مشاعات قابلة للتّخصيص إذا اشتغل شخص ما عليها، واستثمر فيها، ثمّ تصبح ملكا له بشكل ما.

السّؤال من أين يأتي الإشراف والتّنظيم وفرض القرار والقانون والفصل في الخصومة، إضافة إلى مسألة فرض الأمن والسّلم الأهليّ والدّفاع ضدّ الاعتداء الخارجيّ، حيث اعتدنا على التّفكير فيها من منظور الدّولة، أي أنّ الدّولة هي من تقوم بالأدوار الرّئيسة في حفظ الحقوق من جهة، وحفظ الملكيّات من جهة أخرى، مع فرض الأمن والسّلم الأهليّ والفصل في المنازعات، إلى القضاء وتحقّق العدل والدّفاع الخارجي عن كيان الدّولة وأفرادها ملكيّاتها.

هوب يفترض أنّ كل هذا قابل للتّخصيص، فهذه قضايا إشكاليّة نوعا ما، وهناك تصورات أو توجهات يمينيّة طرحت في ذا السّياق، لهذا هوب يصنّف نفسه على أنّه ليبرتاريّ فوضويّ رأسماليّ محافظ، هذه التّصنيفات قد تكون متعارضة، لكن يجد نفسه في هذا السّياق.

هذا الأفكار متداولة عند ا اللّيبرتاريّين بشكل أو بآخر، بمعنى أنّ فكرة الدّولة كجهاز مؤسّسات ضروريّ ولازم لانتظام حياتنا كأفراد، كما أنّ بالنّسبة للّيبرتاريّين والفوضويين هي فكرة حديثة الظّهور، حيث ظهرت الدّولة المركزيّة منذ القرن الرّابع عشر والخامس عشر الميلادي، حتّى بدأت تكبر شيئا فشيئا، وأصبح الواقع القائم الآن على وجه الكرة الأرضيّة هو فعليّا مجموعة الدّول بحدودها الحاكمة لكلّ أنشطتنا البشريّة.

لكن لو افترضنا الحال قبل خمسة قرون، نجد قبلها حدود الدّول كأنظمة سياسيّة غير محدّدة بشكل دقيق، ثمّ فكرة الدّولة المركزيّة الّتي تحتكر القرار، وتحتكر السّلطة والتّشريع وفرض الضّرائب أيضا لم تكن موجودة بهذا الشّكل الّذي نعرفه، أي كان البشر يستطيعون أن يديروا شؤونهم وأنظمتهم وحياتهم السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في ظلّ أنظمة غير دولتيّة.

هذه الفكرة أيضا قائمة على العلاقات الطّوعيّة بين الأفراد، بمعنى أنّهم ليسوا ضدّ فكرة وجود مجتمع ومجموعة أفراد، لكن فكرة المجتمع والأفراد قائمة على التّعاقد الطّوعيّ بين الأفراد، أي أنّ الأفراد مخيّرون وبمليء إرادتهم أن يدخلوا في التّعاقد مع أطراف أخرى، وفق اشتراطات يرتضوها لأنفسهم، وقائمة أيضا على مسألة احترام ملكيّاتهم الخاصّة، سواء كانت كعقارات أو ثروات أو موارد. وبالتّالي كلّ شيء قابل للتّخصيص.

الكتاب أيضا يطرح فكرة قد تكون للكثيرين عنصريّة ومرتبطة بمسألة رفض الهجرة، وهو يرى أنّ الهجرة بمعنى هجرة العمال، أو هجرة الأهل الجنوب إلى الشّمال، أو هجرة أبناء الدّول الفقيرة إلى الدّول الغنيّة، هو ضدّ فتح المجال إلى هذا النّوع من الهجرة، وهو مع الهجرة المقيّدة، وهي هجرة تتمّ وفق عقد وبدعوة.

لا يرى أنّ هذا التّفكير حول الهجرة يتعارض مع إيمانهم بأهميّة التّجارة والأسواق الحرّة، هناك فارق بين انتقال السّلع والخدمات، وبين انتقال الأفراد، ممكن للفرد أن ينتقل من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان بلا دعوة، أي لا يفترض انتقال الأفراد بين طرفين مرسل ومستقبل، في حين انتقال السّلع والبضائع والخدمات يفترض فيها وجود طرفين: وجود شخص يرسل هذه السّلع، وشخص آخر يستقبلها، ليس بالإمكان انتقال السّلع دون أن يكون عليها طلب، أو وجود طرف آخر يستقبلها، أي يطلب ويستقبل السّلع ويتابع شؤونها.

بناء على هذا الفرق يستنتج هوب بإمكان السّلع أن تنتقل في التّجارة الحرّة من دون أيّ قيود، على خلاف مسألة الأفراد، انتقالهم لا يرتبط بوجود طرف آخر يستقبلهم.

لدى هوب في غير هذا الكتاب أفكار مثيرة للجدل، ومرتبطة ببعض المقابلات الّتي أجراها حول القضايا المرتبطة بالحرّية، كالحقوق الملكيّة الفكريّة، وحقوق المثليّين، والمسائل المتصلة بالهجرة.

هذا التّصور العام الّذي يطرحه هوب في الكتاب، وخلاصته أنّ الدّيمقراطيّة ليست نظام حكم مثالي، وهي لا تستحقّ هذا التّقديس الّذي أضفي عليها طول التّأريخ الحديث على الأقل، وأنّ بها عيوب خطيرة وكبيرة، وهي ترتبط بشكل شبه ضروري بين وجود الدّيمقراطية أو نظام حكم قائم على السّيادة الشّعبيّة، أو نتيجة انتخابات يتولّد عنها سلسلة من المشكلات بما فيها الحروب الشّاملة.

هوب على خلاف كثير من المفكرين بما فيهم الألمان، من إيمانويل كانط (ت: 1804م) وحتّى أستاذه يورغن هابرماس (ت: 2026م)، يرى أنّ الدّول الدّيمقراطيّة هي أكثر عرضة للدّخول في حروب شاملة من الدّول الملكيّة، ولأغراض أحيانا انتخابيّة، إضافة إلى النزعة الشوفينيّة أو القوميّة الّتي ممكن أن يثيرها المرشحون للانتخابات وكسب الأصوات، في الأخير هي ستعمل عملها في حياة النّاس، هذه خلاصة الأفكار الأساسيّة على الأقل في الكتاب، وشكرا لكم.

لمتابعة الحوار كاملا على قناة أنس اليوتيوبيّة:

السابق
شهادة الدّكتور صبحي غندور (ت: 2023م) عن صادق جواد سليمان ودوره في مركز الحوار العربيّ بواشنطن
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً