جريدة عُمان، الأربعاء 20 ربيع الأول 1448هـ/ 2 سبتمبر 2026م
في الأيام الماضية استطاعت مكتبة حبر أن تقيم معرضا عمانيّا مصغرا ضمن ملتقى حبر الثّقافي الثّاني، وقد كتبتُ في جريدة عُمان حول الملتقى الأول مقالة: “مكتبة حبر وتنشيط المجمع التّجاريّ ثقافيّا: عجب وإعجاب”، ممّا قلتُ فيه: إنّ “حضور المثقف العمانيّ … في المحافل الدّاخليّة والعربيّة والدّوليّة، وهذا لا يتحقّق إلّا بالتّثاقف بين الأجيال، وإعطاء الثّقة والدّعم للجيل المثقف الجديد، وتوسيع دائرة حريّة إبداعه، بلا شك، سيقع في أخطاء وعثرات، ولكن لا يولد الإبداع بدون أخطاء وتعثّر، وعلى الجيل الجديد أن يدرك أنّ الثّقافة ليست قراءة فحسب، بل هي نظر وتفكّر وحوار وحضور وتدافع في المشاهد الثّقافيّة، وأنّ ثمرتها تحتاج إلى تواضع وصبر واجتهاد، مع الاستمرار في ذلك وعدم التّوقف”.
ملتقى حبر الثّقافي الثّاني لقي تفاعلا كبيرا أيضا، ويهمني هنا الإقبال على الكتاب الثّقافيّ العمانيّ، ومن الأجيال الجديدة، حيث استطاعت مكتبة حبر، وهي مكتبة ناشئة يديرها فتيان وفتيات في بدايات تكونهم المعرفيّ، لكنّهم تجاوزا مؤسّسات معرفيّة وثقافيّة رسميّة وأهليّة، هذا يعطي سؤالا: لماذا يظلّ الكتاب الثّقافيّ العمانيّ في الجملة رهين الجغرافيا العمانيّة، ولماذا هجرته إلى الخارج لا زالت ضعيفة؟
أضرب هنا ثلاث نماذج: النّموذج الأول مجلّة نزوى الفصليّة، لانفتاح المجلّة على القلم العمانيّ الجادّ؛ استطاعت أن تجعل هذا القلم مقروءا على مستوى العالم العربيّ الواسع، وأن يتحول إلى قلم مبدع ومنافس أيضا، لا يقلّ أهميّة عن الأقلام الأدبيّة والثّقافيّة العربيّة بشكل عام.
النّموذج الثّاني: نموذج مكتبة قرّاء المعرفة، هذه المكتبة بدأت في كتاب واحد، وفي (شنطة) سيارة، غايتها توفير الكتاب الثّقافيّ العمانيّ الجاد، اليوم بإمكاناتها البسيطة، في غرفة في قرية نائية في مسقط، إلّا أنّها استطاعت أن تكون سفيرا رقميّا للكتاب العمانيّ، فلا يكاد المهتمون بالكتاب العمانيّ في الوطن العربيّ خصوصا لا يعرفون قرّاء المعرفة، يتواصلون معها لمعرفة الجديد في الكتب العمانيّة، ولا يكاد يمرّ أسبوع لا يزورها مثقفون وكتّاب عرب وخليجيّون، بل ومن دول أسيويّة وأوروبيّة.
النّموذج الثّالث: يتمثل في مكتبتي “دار عرب” و”الفلق”، عمرهما بسيط جدّا، لكنّهما جمعا بين: احترام عقل القارئ في طباعة الكتاب الجادّ والّذي يعطي إضافة معرفيّة، وفي التّسويق الجيّد خارجيّا. فهناك دور نشر للأسف غايتها المال أكبر من جديّة المعرفة المقدّمة، ولو كان بعضها منتحلا من الذّكاء الاصطناعيّ، ولا تهتمّ بتسويق الكتاب لا رقميّا، ولا حضورا خارجيّا.
نعود إلى ذات السّؤال: لماذا يظلّ الكتاب الثّقافيّ العمانيّ في الجملة رهين الجغرافيا العمانيّة، ولماذا هجرته إلى الخارج لا زالت ضعيفة؟ في نظري هناك سببان رئيسان، السّبب الأول لا يوجد اتّحاد للنّاشرين العمانيّين، أو على الأقل جمعيّة النّاشرين العمانيّين، تحمي المعرفة والقارئ معا من جهة، وتساهم في التّرويج وحضور الكتاب العمانيّ لجغرافيا أوسع.
أمّا حماية المعرفة والقارئ فنسبة النّشر في عُمان مرتفعة سنويّا، وهذه حالة جيّدة، لكن غالبها ليست محكّمة، وأسعارها مرتفعة، واليوم نحن أما تحدّي الذّكاء الاصطناعيّ، أي نحن أمام كتب منتحلة في المستقبل. وعدم وجود جمعيّة متابعة، سواء من عدم وجود اتّحاد للنّاشرين العمانيّين، أو نتيجة ضعف الجمعيّة العمانيّة للكتّاب والأدباء في القيام بدورها في هذا، لكونها بيت الكاتب والمثقف العمانيّ المتحقّقّ معرفيّا وثقافيّا؛ الإشكاليّة في المستقبل لن نستطيع التّفريق بين الكتاب المتحقّق معرفيّا، والكتاب المنتحل معنويّا، أو سطحيّ المعرفة المتمثل في الكتاب الانطباعيّ.
وجود جمعيّة متابعة لكلّ جديد تعطي ثقلا في إبراز الكتب النّوعيّة، وفي الوقت ذاته تنقل الكاتب والمثقف العمانيّ إلى الكتابّة الإبداعيّة الجادّة، وليست الانطباعيّة والهامشيّة، وهذا يعطي ثقلا للكتاب العمانيّ خارجيّا.
وأمّا المساهمة في التّرويج وحضور الكتاب العمانيّ لجغرافيا أوسع، فيتمثل رقميّا في حضوره في الشّبكة العالميّة، أو المشاركة في جميع المعارض الدّوليّة العربيّة، فعندنا مناطق جغرافيّة من غير الخليج واليمن لها ثقلها الثّقافيّ والمعرفيّ، وهي دول المغرب الأقصى وموريتانيا، ودول بلاد الشّام، ومصر والسّودان، وبلاد العراق، هذا على المستوى العربيّ. فوجود اتّحاد للنّاشرين العمانيّين يسهل في وصول الكتب النّوعيّة إلى هذه المناطق إمّا بمشاركة دور النّشر ذاتها، أو عن طريق التّوكيلات مع دور النّشر في تلك المناطق الجغرافيّة، أو بالتّنسيق مع الجهات الرّسميّة وعلى رأسها وزارة الثّقافة العمانيّة.
بعض الكتّاب العمانيّين يذهبون إلى النّشر في دور خارج عُمان، لضمان انتشار كتابهم والتّرويج له إعلاميّا، وحضوره رقميّا وورقيّا، وينفقون لأجل هذا الكثير من المال. بيد أنّ العديد من هذه الدّور أيضا لا تبيع الكتاب إلّا في معرض بلد الكاتب، أو البلاد القريبة منها، تمويها أنّ الكتاب حاضر في المعارض، وقد كتبت في هذا مقالة نشرتها سابقا بعنوان: “خديعة الكاتب العربيّ في اليوم العالميّ للكتاب وحقوق المؤلف”، وممّا قلته فيه: “بعض دور النّشر لا تلتزم بنشر الكتاب، فإذا كان الكاتب عمانيّا تكون الكتب العمانيّة حاضرة في معرض مسقط أو الشّارقة، … بينما المعارض الأخرى لا يحضر الكتاب عادة، إلّا صورة وهميّة تنشر في وسائل التّواصل أنّه حاضر في معرض دوليّ ما”.
يبقى سؤال: “لماذا يظلّ الكتاب الثّقافيّ العمانيّ في الجملة رهين الجغرافيا العمانيّة، ولماذا هجرته إلى الخارج لا زالت ضعيفة؟” سؤالا مفتوحا، إلّا أنّ الالتفاتة إليه لا يقلّ أهميّة في دولة كعمان لها مكانتها عربيّا ودوليّا. والثّقافة اليوم من أهم القوى النّاعمة في السّياحة والاستثمار والتّمدّد جغرافيّا. ثمّ هذه السّؤال ذاته يفتح أسئلة ومراجعات جادّة على العديد من الجوانب الثّقافيّة في داخل البلد، ومنها ما يتعلّق بالكتاب والنّشر والتّرجمة وحماية المعرفة من الانتحار والهشاشة المعرفيّة، ومراجعة وضع الجمعيّات والمؤسّسات الثّقافيّة.
