حوار كان مع المرحوم قبل وفاته بعام، وذلك ضمن مساحات قناة أنس على إكس (تويتر سابقا)، من تنظيم قناة أنس وصالون قرّاء المعرفة. السّبت ١ محرّم ١٤٤٤هـ/ ٣٠ يوليو ٢٠٢٢م، في السّاعة العاشرة مساء بتوقيت مسقط. بمرور عام على وفاة صادق جواد سليمان (ت: 2021م)، وكان صبحي غندور من الأصدقاء المقرّبين مع صادق جواد في واشنطن، وشاركه في مجلّة الحوار، ومركز الحوار العربيّ، ومشروعهم الأخير حول ميثاق النّهوض الفكريّ العربيّ.
تقدمة بدر العبريّ:
بدر العبريّ: بسم الله الرّحمن الرّحيم، بداية نعتذر على هذا التّأخير. في صباح يوم السّابع والعشرين من يوليو 2021م فارقنا المرحوم صادق جواد سليمان وهو في علاجه ورحلته إلى الهند، ولمرور عام من فاته يسّرنا أن نلتقي في هذه المساحة بالدّكتور صبحي غندور، لما بينهما من علاقة ووفاء لثلاثة عقود مضت منذ بداية التّسعينات في القرن العشرين وحتّى وفاته، وقد كان المرحوم صادق جواد كثيرا ما يذكر ويثني على صبحي غندور، وهذا الوفاء ذاته وجدته مع صبحي غندور ومركز الحوار العربيّ في واشنطن.
أستاذنا الدّكتور صبحي غندور صحفيّ لبنانيّ مقيم في واشنطن منذ 1987م، وعضو في اتّحاد الصّحافة اللّبنانيّة منذ 1977م، وهو صاحب مجلّة الحوار الصّادرة عام 1989م باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة في واشنطن، والّتي كتب فيها صادق جواد بالتّوقيع الأدبيّ محمود خالد، ولعلّ الدّكتور يذكر لنا لماذا كان يكتب باسم أدبيّ وليس باسمه الشّخصيّ، كما أنّ صبحي غندور مؤسّس ومدير مركز الحوار العربيّ في واشطن، وكان صادق جواد عضوا ومشاركا فيه حتّى آخر حياته، عموما سأترك الكلمة للدّكتور صبحي غندور.

مقدّمة الدّكتور صبحي غندور:
شكرا جزيلا لك أستاذ بدر على الضّيافة في هذه المساحة الطّيبة مع مجموعة من الإخوة والأخوات الّذين سأعتّز بتواصل المعرفة معهم. كلّ عام وأنتم بخير جميعا بمناسبة رأس السّنة الهجريّة. وأيضا أشارك في الاعتذار لتأخري عن بدء هذه السّهرة منذ نصف ساعة بسبب التّخلّف الّذي ربّما عندي في التّكنولوجيا، لكن على أيّ حال أنا مسرور جدّا أنّه تمكّنا من أن نصل إلى طريقة نستطيع فيها أن نتفاعل مع بعضنا في الذّكرى السّنويّة الأولى لغياب صديق وأخ عزيز، ومفكّر وكاتب كحال الأستاذ صادق جواد سليمان – رحمه الله-.
متى كانت العلاقة، وكيف بدأت؟
أنت أشرت – أستاذ بدر – إلى بداية هذه المعرفة في مطلع التّسعينات، وهذا ما حصل فعلا، كما أشرتُ بالأمس في ندوة مركز الحوار التي أقمناها أيضا بهذه المناسبة أنّ المعرفة بيني وبين الأستاذ صادق كانت بسبب اتّصال من سفير لبناني سابق مقيم في واشنطن اسمه منير النّصوليّ (ت: 1998م)، كان قد اتّصل بي، وأبلغني عن الأستاذ صادق، وقال لي: إنّ هذا الشّخص مهم أن تتعرّف عليه. ويرجع تعرّف منير النّصوليّ على صادق جواد من خلال متابعته لمجلّة الحوار، ويقارن ما فيها بما كان يسمعه من صادق جواد من أفكار.
رحبت بهذه الفكرة، واتّصلت بالأستاذ صادق، وزرته في منزله، وأعطيته مجموعة من أعداد مجلّة الحوار. كان متحفّظا في البداية؛ لأنّه كان لا يعرفني، ولا يعرف شيئا عن المجلّة، ولكن بعد أيام قليلة من اطّلاعه على أعدادها اتّصل بي، ودعاني مرّة ثانية، وانفتح بشكل كبير على قضايا فكريّة وسياسيّة عامّة، وكانت فرصة لأنّي اكتشفت فعلا أنّ هذا الإنسان يحمل فكرا طيّبا يُعبّر عمّا كنت أنشره من موضوعات ومقالات في مجلّة الحوار، فوجدنا هذا التّوافق الكبير من حيث الاهتمام بالشّأن الفكريّ، ووصل الأمر إلى حدّ نشرت في مجلّة الحوار رسالة مفتوحة بعنوان: “إنّ الأمّة الّتي لا يفكّر لها أبناؤها تنقاد لما يفكّر لها الغرباء”، وكان ذلك دعوة منه للاهتمام بالشّأن الفكريّ، والاهتمام بما كان يحدث في المنطقة العربّية عموما.
لا ننسى أنّ ذلك كلّه حدث في نهاية عام 1991م، حيث المنطقة العربيّة تعيش نتائج خطيرة لغزو النّظام العراقيّ السّابق صدّام حسين (ت: 2006م) للكويت، وما حدث بعده من حرب الخليج الثّانية. هذا التّوجه الّذي عبّرت عنه هذه الرّسالة المفتوحة في مجلّة الحوار هي دعوة للتّفكير بما يحدث في هذه الأمّة.
أيضا لا ننسى أنّ في بداية التّسعينات كانت هناك متغيّرات دوليّة تحدث تمثل في سقوط الاتّحاد السّوفيتيّ، والوضع الخاصّ في المنطقة العربيّة بعد حرب الخليج الثّانية، كلّ هذه المسائل كانت قضايا صاحبها تفاعلات فكريّة في المنطقة وخارجها.
ثمّ كانت هذه بداية لدعوتي لبعض الأصدقاء والّذين يهتّمون أيضا بهذا الإطار الفكريّ والثّقافيّ إلى منزله، وكانت تحدث بشكل مستمر أمسيات وسهرات فكريّة وثقافيّة، إلى حين انتقالنا إلى مقرّ الدّكتور طه جابر العلوان على مدار سنتين، نلتقي فيها بشكل شهريّ، كان هذه اللقاء طبعا بدعوة من مجلّة الحوار العربيّ، كان يحضرها متباينون في منطلقهم الفكريّ، ومعظم هذه الأسماء غادرنا إذ توفي معظمهم، أتحدّث مثلا عن الدّكتور طه جابر العلوانيّ، عن الدّكتور هشام شرابيّ (ت: 2005م) الّذي كان مسؤولا أيضا عن مركز الدّراسات العربيّة في جامعة جامعة جورج تاون Georgetown University في واشنطن، عن الدّكتور رشدي سعيد (ت: 2013م) الذي كان من مصر، ويهتمّ أيضا بهذه الأمور، كان معنا الدّكتور عرفان شهيد (ت: 2016م)، والأستاذ سهيل بشروئيّ (ت: 2015م) – الّذي أشرت إليه أنت الأستاذ بدر -، والدّكتور كلوفيس مقصود (ت: 2016م)، وكان له دور أيضا في جذب واستقطاب عدد من الأشخاص الّذين كانوا يتابعونه كمفكّر عربيّ.
هذه التّجربة خذناها على مدار سنتين في لقاءات كانت تحدث في مكتب الدّكتور طه جابر العلوان (ت: 2016م)، كان آنذاك رئيس المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ في واشنطن وفي أمريكا الشّماليّة، وهو الذي دعانا للمعهد العالميّ بعد أن كنت قد دعوته لعدد من اللّقاءات المحدودة في منزل الأستاذ صادق جواد سليمان.

ما الهدف من اللّقاءات الدّاخليّة في واشنطن قبل تأسيس مركز الحوار العربيّ؟
كانت هذه اللّقاءات على مدار سنتين بشكل اجتماع دوري وشهري بدون إعلان، والهدف من هذه اللّقاءات ليس توظيفه واستثماره عالميّا، الهدف منه بدرجة أولى أنّه بعد حرب الخليج الثّانية، وبعد التّداعيات الخطيرة الّتي حدثت في المنطقة؛ إنّه من المهم البحث عن سؤال يتعلّق بحالة النّهوض الفكريّ المطلوب في المنطقة الّتي تعيد الحدّ الأدنى إلى قناعات شعوب هذه المنطقة بأنّهم ينتمون إلى أمّة واحدة، وإلى ثقافة واحدة أيضا، إنّهم أينما انتشروا جغرافيّا؛ يربطهم هذا الانتماء الثّقافيّ العربيّ الواحد، وأنّ الهويّة العربيّة لا ترتبط بأيديولوجيّة معينة، وأنّ هناك تجارب حدثت في القرن العشرين شوهت العلاقة بين من كانوا يرفعون شعار القوميّة العربيّة، وبين من كانوا يطرحون الأمور بمنطلقات دينيّة وإسلاميّة، هذا التّناقض المفتعل استفاد منه أعداء هذه الأمّة وخصومها، ولم يكن له أيّ مبرّر؛ لأنّه من يريد لهذه الأمّة العربيّة النّهضة؛ هو عمليّا ينهض في العالم الإسلاميّ ككلّ، الأمور ترتبط بمسألة كيفيّة فهم الدّين، وكيفيّة فهم الهويّة، وأنّ هذا الأمر هو الّذي كان هدف هذا اللّقاءات.
في إحدى هذه اللّقاءات يقول الدّكتور كلوفيس مقصود: إنّه لبنانيّ مارونيّ مسيحيّ، عرف الإسلام من خلال العروبة، وكان أحد الحاضرين من أصول وطنيّة ليبيّة، وكان لديه دورا في المرحلة السّابقة بعد ما حدث من تغيير في ليبيا، أي كان من المعارضة اللّيبيّة، وكان يحضر هذه اللّقاءات، فقال هذا الشّخص وهو من أصول أمازيغية: أنا ليبيّ من أصول أمازيغيّة، عرفت العروبة من خلال الإسلام. وكان هذا في حدّ ذاته تعبيرا لأهميّة هذه اللّقاءات، كيف من هو مسيحيّ من لبنان عرف الإسلام من خلال العروبة، ومن هو من ليبيا من أصول أمازيغيّة عرف العروبة من خلال الإسلام.
وهذا ما أهدف إليه شخصيّا من هذه اللّقاءات، أنّ الّذين يعتقدون بالهويّة العربيّة، كانوا من المسلمين أو المسيحيّين العرب، تعني له كثيرا له الحضارة الإسلاميّة، ودور الإسلام في تحقيق هذه الهويّة، كلّنا نعرف في تاريخ المنطقة العربيّة أنّه قبل وجود الدّعوة الإسلاميّة كانت الهويّة العربيّة ترتبط بقبائل موجودة في شبه الجزيرة العربيّة، ولكن الدّعوة الإسلامية حملت هذه الهويّة وأعطتها المضمون الحضاريّ المهم، ونشرت هذا المضمون في شمال أفريقيا وفي أماكن أخرى من العالم، بسبب هذا التّزاوج الّذي حدث بين الهويّة العربيّة وبين المضمون الحضاريّ الإسلاميّ.
القرآن الكريم جاء باللّغة العربيّة، النّبيّ الكريم أصوله من مكّة من الأرض العربيّة، هذه الأرض العربيّة هي أرض كلّ الرّسالات السّماويّة، وبالتّالي لها ميزة خاصّة حتّى في دائرة العالم الإسلاميّ، إنّها أرض الرّسالات والرسّل، فعليها مسؤوليّة كبيرة في أمور عديدة من حيث موقعها الرّوحيّ، وفي موقعها الجغرافيّ الّذي يتوسط قارات العالم، وفي ثرواتها، وبالتّالي أنّ هذه المنطقة كانت وستبقى مستهدفة لهذا الأمر منذ أيام الإمبراطوريّة الرّومانية وحتّى يومنا هذا عند من يحمل صفة الدّول أو والقوى الكبرى في العالم. فكيف ستكون هذه الأمّة قادرة على أن تواجه هذه التّحدّيات لما هي عليه من موقع وثروات ودور حضاريّ قديما وحديثا، كيف يمكن أن تكون قادرة إذا كانت مشتّتة، ولا تعرف حتّى كيف تفهم هويّتها.
هذه الفترة الّتي كنّا نقيمها في واشنطن كانت حافلة بالسّهرات واللّقاءات الّتي كنا نقيمها في أماكن مختلفة، ومع أشخاص محدودين. أحيانا نلتقي في مكتبة الحكمة عند الأخ ضياء السّعداويّ في واشنطن، وأحيانا في المقاهي، وأحيانا أخرى في المنازل، وجميعها كانت لقاءات مهمّة جدّا، لكن طبعا غير مسجلّة، وغير مفرّغة.
مثلا بعض هذه النّقاشات كانت تحدث مع الدّكتور طه جابر العلوانيّ، وبعضها مع الأستاذ سهيل بشروئيّ، لاحظ هذا التّباين في الانتماءات، الدّكتور العلوانيّ كان من المدرسة الإسلاميّة، وبشروئي كان من مدرسة مختلفة تماما [كان بهائيّا]، كان يعتني بالمسائل الرّوحيّة والدّينيّة، ويتحدث عنها بشكل إيجابيّ. الأمر نفسه كان مع كلوفيس مقصود [كان مارونيّا] وعند آخرين.
ما الإضافة الّتي أضافها صادق جواد إلى هذه اللّقاءات الدّاخليّة؟
أعتقد أنّ هذا التّفاعل الّذي حدث مع الأستاذ صادق جواد سليمان، كان فعلا صاحب رؤية شاملة لهذه الأمور كلّها، كيفية فهمة للدّين كانت في حدّ ذاتها موضع تقدير لدى الكثير من المثقفين العرب على الأقل، لا أتحدّث عن تجربة مركز الحوار حيث الحضور الّذين ينتمون إلى أوطان وطوائف ومذاهب مختلفة. كانوا لا ينظرون إليه أنّه يحمل اتّجاها معينا، أو فقها ينتمي إليه، كان يميّز بشكل كبير بين المبادئ والقيم، بين القرآن الكريم وبين المسائل الّتي يختلف عليها من يحبسون أنفسهم في أطر فئويّة ومذهبيّة لا يخرجون عنها، ولا ينظرون إلى ما هو أهم وأشمل في كتاب الله العزيز.
يؤكّد مثلا على أهميّة الشّورى كمسألة مهمّة جدّا لا يلتفت إليها بعضهم، الحديث عنها منذ 1400 سنة، والّتي تعني في النّتيجة أساس وجوهر الدّيمقراطيّة. كان يتحدّث عن العدل الاجتماعيّ، هو هذه القيمة الكبيرة لها إشارة في القرآن الكريم، مع ضرورة المساواة بين النّاس، كان يتحدّث التّمييز بين الهويّة والماهيّة حينما قال: إنّ ماهيّتنا أننا بشر بما هو إنسان في ذاته وكرامته، بينما الهويّة هي المتعدّدة والمرتبطة بظروف مختلفة، وبأمكنة جغرافيّة متباينة، حتّى أبناء الوطن الواحد يختلفون في هويّاتهم على أساس طائفيّ أو قبليّ أو إثنيّ. الأهم بالنّسبة له أنّ النّاس عليها أن تنظر إلى ماهيّتها التي تجمع بينها، لا أن تتفرّق على أساس هويّاتها. لا يعني هذا التّخلّي عن الاهتمام بالهويّة الوطنيّة، كانت قطريّة كالهويّة العمانيّة، أو بشكل أوسع كالهويّة العربيّة. على العكس تماما حتّى الهويّة الأمريكيّة كانت جزءا من سيرة حياته، وتعني له الكثير.
أذكر حتّى جمال عبد النّاصر (ت: 1970م) في مصر كان يتحدّث عن هويّات مصر أنّها تنتمي إلى دائرة أفريقيّة، ودائرة عربيّة، ودائرة إسلاميّة، وأنّ هذه الدّوائر تكمل بعضها أيضا. هذا الأمر ذاته كان موجودا في تفكير صادق جواد سليمان، والجامع المشترك بينها هو هذا الانتماء للماهيّة الإنسانيّة.
قال لي مرّة في بدايات اللّقاء في مطلع التّسعينات أنّه حينما بدأ يحاول من خلال دراسته في جامعة جونز هوبكينز أن يبحث فيما هو موجود من فكر؛ وجد القرآن الكريم مرجعا مهمّا له، وكان كتابا موجودا في مكتبة منزله، وقد تراكم عليه الغبار الكثير، وأنّه لم يحسن في السّابق الرّؤية والاطّلاع عليه. ولكنّي أعتقد كلامه كان مقدّمة لشيء آخر؛ لأنّه لو لم يكن عنده هذا الانفتاح الفكريّ، والمتابعة لفلسفات وأفكار أخرى في العالم، واستعداد للتّعامل مع الرّأي الآخر؛ لما وجد ما وجده في القرآن الكريم. في العالم الإسلاميّ أكثر من مليار إنسان يقرأون القرآن الكريم، وهناك من يحفظه، وهناك من يعيد في شهر رمضان المبارك قراءته أكثر من مرّة، لكن القليل جدّا في العالم الإسلاميّ من يفقهون ما كان يفقهه صادق جواد سليمان من تركيز واهتمام على دور العقل في فهم القرآن الكريم.
كانت له رؤية متقدّمة في قراءة المبادئ والقيم، والعلاقة بين الحضارة والثّقافة والدّين، ورؤيته حول الإنسان بشكل جامع لكلّ البشر، وليس الانغلاق والانحسار في سقف هويّات ضيّقة وفئويّة كما – للأسف – حال معظم العالم، وليس المنطقة العربيّة فقط.
لماذا كان صادق جواد بعيدا عن الكتابة؟
وجدتُ في البداية الأستاذ صادق جواد مفكّرا عميقا لكن لم أجد لديه كتابات أو مقالات أو منشورات، وسألته: لماذا هذا الشّخص الّذي عنده هذا الفكر العميق البليغ، لماذا لا يكتب؟ فأبلغني أنّه ما زال في مرحلة يحاول فيها التّعامل مع بعض الظّروف الشّخصيّة. لا ننس أنّه استقال من العمل الدّبلوماسيّ بعدما كان سفيرا في واشنطن وفي طهران، وسفيرا غير مقيم لعدد من الدّول في كندا وفي أمريكا الجنوبيّة، وفي أماكن أخرى، فكان ما زال في حالة التّخطيط لما يمكن أن يفعل في المستقبل. كان يتابع دراسته في جونز هوبكينز Johns Hopkins University للحصول على الماجستير في العلاقات الدّولية، وكان في تلك الفترة أعتقد أنّه يحاول تأسيس وضعه الشّخصيّ الاجتماعيّ حيث قرّر الإقامة في الولايات المتحدة في منطقة واشنطن مع عائلته، ولم يعطِ حينها الجانب الكتابيّ أهميّة بقدر ما كان ينطبق عليه من حالة الخلوة، وكان يأخذ نفسا عميقا في قراءته وتفكيره ليصل إلى خلاصات في النّفس والوجود وما يستجدّ في السّاحة.
كما أسلفتُ وجدتُ عند صادق جواد الكثير من الفكر الّذي بحاجة أن يسمعه الآخرون، ولكن كان كما أشرت كان لا يكتب، فأولا دعوته في نهاية 1991م إلى الكتابة، وقال إنّه لا يستطيع أن يكتب باسمه، فاقترحت عليها أن يكتب باسم محمود خالد، اخترت له هذا الاسم، وفعلا كتب سلسلة من المقالات المتعلّقة في مسائل فكريّة وثقافيّة تهتمّ بالشّأن العربيّ.
اندفاع صادق جواد إلى الكتابة بعد إصراري عليه أن يكتب المعرفة الّتي يحملها، فقد تمضي سنوات أخرى طويلة ولا يزال صادق جواد مستمرا في خلوته مع النّفس، وقد دخل فيها بعد استقالته من العمل الدّبلوماسيّ، ليس من الأشخاص الّذين يهتمون بأن يعرف النّاس عنهم، أو مشغولا بالبحث عن دور أو منصب في الحياة بمقدار ما كان يحاول اكتشاف نفسه، كان يريد أن يفهم الكون من حوله، هكذا تعرّفت عليه.
في هذه الفترة وما بعدها بدأ صادق جواد يكتب المقالات وينشرها وينشر مجلّة الحوار، ويعيد نشرها في أماكن أخرى بعدما نرسلها على لائحة الأنترنت الّتي تضمّ عددا كبيرا من الصّحف العربيّة. الأمر نفسه انطبق على اللّغة الإنجليزيّة، طبعا له كتابات باللّغة الإنجليزيّة، بعضه موجه بها للمجتمع الأمريكيّ نفسه.
بعض المقالات التي كتبها كان لها علاقة بالمرأة واهتمامها، أيضا كتب في المساواة، وحقوق المرأة والرّجل، وبعضها لها علاقة بالجيل الجديد.
وقد اقترحت عليه مبكّرا أن تجمّع مقالاته وتطبع وتباع أيضا في عُمان، كان أيضا عنده تحفظ أنّ الكتاب لا يصدر في حينها. نحن حاولنا جمع مقالاته في كتاب، وموجود عندي مجموعة منها، سأرسلها عبر الانترنت، كما أرسل ندواته الّتي أقامها في مركز الحوار العربيّ.
لماذا كان صادق جواد محاورا جيّدا؟
خلال تلك السّنة تقريبا منذ بداية حقبة التّسعينات وجدت هذا الشّخص محاورا جيّدا، كان دائما يسأل الأسئلة الّتي ربّما لا تخطر على بال كثيرين، ويريد من هذه الأسئلة الوصول إلى إجابات فكريّة، ينطبق عليه مسألة العصف الفكريّ، أو بتعبير المفكّر المصريّ الّذي أقدّره كثيرا عصمت سيف الدّولة (ت: 1996م)، الّذي أوجد منهجا سمي منهج جدل الإنسان، وهو محصلّة كتابات مهمّة جدّا كان عليها عصمت سيف الدّولة. هذا التّفاعل الّذي يحدث في داخل الإنسان بين ما هو في عقليّ من أفكار، وبين ما هو موجود حوله، وبين ما هو من وقائع ماديّة؛ هي الّتي تجعل الإنسان يخرج بما هو أفضل ممّا هو عليه.
هذا ينطبق على حالة صادق سليمان من حيث أيضا هو تحاور فكريّ، ولا أقول هنا التّناقد الفكريّ مع الآخرين، التّحاور الفكريّ تمثّل في مسائل عديدة لها علاقة ببداية الكون، والدّين، والأمور الفلسفيّة، وصولا إلى الإنسان كشخص كفرد، وما يمكن أن يكون عليه من قيم وأخلاق وأسلوب.
هذه النّقلة النّوعية في حياته في رأيي حدثت بفعل هذه الصّدفة الّتي أشرت إليها؛ لأنّه حينما جمعته مع عدد من الأشخاص عدّة مرّات في منزله، وكانت مبادرة منّي معه؛ وجد أهميّة التّفاعل مع الآخرين، وعندما يُسأل عن قضايا قد لا يجد إجابات حولها في حينه؛ نجده في ندوات أخرى يتحدّث ويجيب عنها.
أعتقد أنّ هذا كان ينطبق عليه ما يقال بالتّعبير الإنجليزيّ Win-win situation، أي كلّ طرف يكسب من هذه المعرفة من التّفاعلات مع الآخرين، بمعنى ما يجعله يفكّر ثمّ يكتب. وكانت أيضا بالنسبة للآخرين فرصة مهمّة للاهتمام بهذه الشّؤون الفكريّة. هذا النّقاش الفكريّ معه ومع آخرين من خلال المجموعة الّتي كانت تتحاور بشكل شهريّ بدعوة مركز الحوار منذ 1992 وحتّى 1994م أي على مدار سنتين هؤلاء كانوا لا يعرفون حتّى بعضهم، بعض هؤلاء كان يتحدّث كيف أنّ معرفتهم ببعضهم كانت من خلال مركز الحوار.
ما المعرفة الّتي كانت تشغل صادق جواد في أمريكا؟
دوائر اهتمامه الّتي لمستها منه منذ تلك الفترة كانت متعدّدة، لم يكن حاصرا نفسه في دائرة واحدة كما هو أحيانا يفعل بعض المثقفين والمفكّرين العرب، اهتماماته كانت تشمل الدّائرة الإنسانيّة الكبيرة العامّة، لتصل إلى الدّائرة الوطنيّة الخاصّة بوطنه عُمان، وجدته يتفاعل مع كلّ هذه الدّوائر بأقصى ما عنده من إمكانيّات فكريّة ومعرفيّة، كان مع القضايا الفلسفيّة وما يتعلق بنظرته إلى الدّين والكون، وصولا إلى ما هو يعني يمر عبر ذلك من مكان إقامته في الولايات المتحدة ومتابعته الكبيرة والعميقة للتّجربة الدّستوريّة الأمريكيّة، وإلى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكيّة، ثمّ وصولا إلى المنطقة العربيّة، وما هي عليه حال المنطقة، خاصّة اهتمامه بشأن الوضع الثّقافيّ العربيّ، وبالهويّة العربيّة الّتي تجمع كلّ العرب أينما كانوا، وأخيرا وصولا إلى موطنه عمان، وما يتضمّن من ارتباط كبير بالنسبة له عاطفيّا واجتماعيّا ووطنيّا وسياسيّا. كلّ العناصر الّتي تجعل كلّ إنسان يشتدّ ويرتبط بوطنه رغم بعد الزّمن أو المسافات كما هو واقع الحال.
لم أجد عند صادق جواد سليمان أيّ تناقض في هذه الدّوائر، يعبّر هذا عن حالة التّفكير بالنّسبة لي معه على المستوى الشّخصيّ، أو من خلال تجربة مركز الحوار العربيّ الّتي حاولنا فيه منذ بداية هذه التّجربة أن تكون مساحة تفاعل فكريّ، يّترك لكلّ شخص حريّة ما يراه من رأي والتّعبير عن فكره، والأهم من ذلك هو مدى قدرته على التّفاعل مع الرّأي المختلف عن رأيه.
كيف ومتى بدأت فكرة مركز الحوار العربيّ في واشنطن؟

في عام 1994م استأجرنا مكانا صغيرا في ضاحية واشنطن، أحضرت من منزلي طاولة الطّعام وأربع كراسي، وكان هدفي من هذا اللّقاء أن آخذ رأي بعض الإخوة الّذين كانوا يتفاعلون على مدار سنتين، أنا وهؤلاء الثّلاثة، أي صادق جواد سليمان، وطه جابر العلوانيّ، كلوفيس مقصود.
أذكر وقتها أي في 1994م قال لي العلوانيّ: كيف يمكن لك أن تقيم هذه الفكرة، وتبدأ النّدوات، وأنّها ستكون ندوات أسبوعيّة، وهذه الكراسي والقاعة البسيطة؟ كيف لك أن تجمع العرب في غرفة واحدة صغيرة بدون حجز مسبق، ولا تعرف من الّذي سيأتي، والعرب يتقاتلون في المنطقة العربيّة؟ هؤلاء قد يتصادمون جسديّا مع بعضهم البعض إذا دعوتهم لندوات أسبوعيّة، وبدون حجز مسبق؟ كما هو تاريخ كلّ ندوات مركز الحوار، لا نطلب ولا نشترط أن تحجز مسبقا.
بينما كانت ردت فعل الدّكتور كلوفيس مقصود بعدما استقال أيضا من منصبه كسفير لجامعة الدّول العربيّة في واشنطن، وبدأ مع مركز دراسات الجنوب في الجامعة الأمريكيّة، قال: كيف ستقيم ندوات أسبوعيّة ونحن نعاني مرّة في السّنة لإقامة مؤتمر سنويّ، ندعو إليه إخواننا العرب؟
أمّا ردّة صادق جواد أنّه لا مشكلة أبدا من إقامة المركز والدّعوة إليه؛ لأنّه لمس في السّنتين الماضيتين قيمة هذه اللّقاءات، كان عنده توقع أنّ هذه التّجربة ستنجح. لكن هذا التّفاعل الّذي كنت أشير إليه انعكس على كلّ الندوات بوجوده، حيث أصبحت لهذه النّدوات قيمة فكريّة، فأصبحنا نقيم سهرة لحوالي ساعتين مع من يرغب بالبقاء، كانت نقاشات جميلة جدّا على قضايا متعدّدة، وبطابع فكريّ ثقافيّ يتعلّق بالدّين والفلسفة والفكر وغيرها.
ما الإضافة الّتي أضافها صادق جواد إلى مركز الحوار العربيّ؟
تجربة مركز الحوار مع صادق جواد سليمان مرحلة أعتزّ بها، وهي فترة العلاقة والمعرفة والتّفاعل الّذي أعطى الكثير من القيمة لندوات مركز الحوار، سواء كان محاضرا أو مستمعا أو مناقشا، وكان يلمس الحضور إعجابا كبيرا ببلاغته في الأسلوب، وفي المنهج الحديث، وفي التّركيز. لا ننس أنّه توفي وقد تجاوز 87 سنة من عمره، وحتّى آخر لحظة من حياته كان عقله حاضر منهجيّا وتركيزا، ويعرف كيف يقول، وماذا يقول، وماذا يريد أن يقول، وكانت كلّ هذه المسائل في رأيي تعبير عن هذا الارتباط الكبير لديه بين شخصه وبين الفكر والفلسفة بشكل عام.
دعني هنا أقول لولا هذه الصّدفة الّتي جمعتني به من خلال السّفير اللّبنانيّ السّابق منير النّصوليّ الّذي عرّفني به، أعتقد أنّ سيرة حياة صادق جواد سليمان تختلف عمّا سيكون عليه وماذا يكتب أيضا، كما أنّ تجربة مركز الحوار ستختلف لو لم ينظّم إليه صادق جواد. هذه الأمور الّتي قد تكون صغيرة جدّا؛ لكنّها تحدث أثرا كبيرا شخصيّا ومعرفيّا.
هل كان لصادق جواد نشاط ثقافيّ خارج أمريكا؟
أذكر أيضا له أكثر من لقاء وحديث مع مجموعة من الدّبلوماسيّين والطّلبة العمانيّين، وفي عمان له لقاءات باللّغة الإنجليزيّة حينما كان يزور مسقط، الأمر نفسه في الولايات المتحدة الأمريكيّة. هناك عدد أيضا من المراكز العربيّة الأخرى التي كانت بسبب معرفتها به، وبحضورها لندواته؛ تهتمّ بفكره، وتدعوه إلى لقاءات وندوات. هذا جميعه – في نظري – ضاعف من الخزّان الفكريّ الكبير الّذي كان يملاّ فكره وذهنه ووعيه، وكان مركز الحوار يستفيد من هذا الخزّان، ويرتوي ممّا هو عنده من فكر طيلة هذه السّنوات الماضية.
ما سرّ نشاط صادق جواد بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م؟
لا أخفي عليكم أنّه في 11 سبتمبر 2001م أثرى بشكل كبير على معظم العرب في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وحال المسلمين أيضا بشكل عام. على سبيل المثال طه جابر العلوانيّ غادر إلى القاهرة واستقرّ فيها هناك بسبب بعض الأمور الّتي ترتبت على أحداث 11 سبتمبر. هناك إجراءات في أمريكا انحازت ضدّ بعض المراكز العربيّة والإسلاميّة، وهناك قوانين حصلت في أمريكا تسمح بالتّجسّس على العرب والمسلمين، وعلى المؤسّسات والمراكز، وهناك ضغوط مورست، فما كنّا نعرفه عن أمريكا قبل 11 سبتمبر 2001م غير عمّا بعد هذا التّأريخ وهذا العام. خاصّة في فترة إدارة جورج بوش الابن والمحافظين الجدد، والّتي كانت جزءا منها الحرب على العراق، وتداعيات هذه المسألة دفعت البعض لمغادرة الولايات المتحدة، خصوصا من كان ينشط ويتحرّك ويفكّر ويكتب ويعمل في الولايات المتحدة. أذكر بعد 11 سبتمبر 2001م ذهبنا معا إلى عدد من الكنائس، وكان يتحدّث باللّغة الإنجليزيّة، تلقيت دعوات من هذه الكنائس أن نتحدّث عن العرب والمسلمين، وكنّا نقترح اسم صادق جواد، لما عليه من معرفة وفكر، ولموقعه الدّبلوماسيّ السّابق يجعل بعضهم يهتّمون بحديثه.
هل تصادم صادق جواد مع آخرين في مركز الحوار لأسباب فكريّة وثقافيّة؟
ربما تساؤلات أو أبحاث صادق جواد في ظاهرها مخالفة للمألوف، لكنّه لم يدخل صراع مع المختلف عنه، والمتابع لكتابات وفكر صادق سليمان لا يجد فيها شيئا من التّصادم مع أفكار أخرى، هو يقول ما عنده، وهذا كان منهجه في الحديث أن يقول ما عنده أكثر ممّا يعطي أولوية لنقض فكر الآخر. كانت سيرة كتاباته ونقاشاته ينطبق عليها أنّه ليس من الضّرورة أن أنقد فكر فلان، أو أردّ على فلان، هدفه الأساسي عرض ما هو مقتنع به.
وربّما هذا أيضا من تأثيرات مركز الحوار العربيّ، ففي كلّ النّدوات الّتي نقيمها منذ بداية تجربة المركز وضعنا ضوابط النّقاش، ومن هذه الضّوابط أنّه حينما تسمع في النّدوات آراء أخرى لا يجب أن يكون هدفك الرّد على الشّخص، أي الهدف أن تركز على ما أنت مقتنع به، وليس أن يكون هدفك فقط الرّد، ولا يصح أن تلغي حقّه بأن يقول رأيه، ولو كان مختلفا عن رأيك، حقّك أن تقول أنت رأيك. أعتقد أنّ هذا نفسه الّذي كان عليه المرحوم صادق جواد في كلّ هذه السّنوات الماضية، لهذا لم يدخل في أيّ صراع، وكان مقدّرا من الجميع.
لماذا ومتى أصدرتم ميثاق الإصلاح الفكريّ العربيّ، وأين وصل؟
حاولنا في واشنطن في شهر حزيران/ يونيو 2004م أن ننشر ما سميناه مشروع الإصلاح الفكريّ العربيّ، كان عبارة عن ستة مبادئ، جلست أنا وصادق جواد ووضعنا هذه المبادئ، وأصدرناها بشكل مشترك، ويهدف الإصلاح الفكريّ العربيّ على توليد القناعة لدى عموم العرب بأهميّة البناء التّدريجيّ لدولة الولايات العربيّة المتحدة، أو في الحدّ الأدنى لاتّحاد عربيّ يماثل نموذج الاتّحاد الأوروبيّ، والوصول إلى هذا الهدف المنشود يتطلّب أولا تحقيق إصلاح جامع في الوضع العربيّ من خلال تقويم بنية الحكم وأدائه ضمن الأوطان القائمة حاليا، وتقويم بنية التّضامن وأدائه على امتداد الأمّة العربيّة كلّها، ولتحقيق هذا الاصلاح الشّامل يشخص الميثاق ستّة مسائل يتطلّب الاصلاح توضيحا حولها، وتفعيلا لسياقاتها في الخبرة العربيّة، وهي: أولا: المسألة القوميّة، ثانيا: الاصلاح ومسألة العروبة والإسلام، ثالثا: المسألة الدّيمقراطيّة، رابعا: مسألة حقوق المرأة، خامسا: مسألة المنهج، سادسا: مسألة نبذ العنف عربيّا على الإطلاق.
طبعا فيه توضيح لهذه الأهداف أو البنود في ثلاث صفحات، وهذا المشروع كما أسلفت كان في عام 2004م، أعددناها أنا وصادق وابنه البكر عادل، وكنّا نناديه بأبي عادل، وهذا التّعبير يرتبط حتّى باهتمامه بالعدل.
وبعد إعداد هذه الورقة المشتركة مني ومنه دعيت إلى لقاء في جامعة جورجتاون Georgetown University في واشنطن، عرضنا هذه الورقة على مفكّرين عرب إلى حدّ ما، واقترحوا أن نرسلها وننشرها، ونشرت فعلا في مجلّة الحوار، ثمّ أعدت نشرها بعد أحداث عام 2011م، فنشرتها في ديسمبر 2014م، وأرسلت إلى أسماء كبيرة وكثيرة في المنطقة العربيّة، وجاءت ردود أفعال عليها. ولكن لم تتجاوز الأمور أكثر من هذا الحدّ، وتحويلها الى مسألة عمليّة في رأيي مرهون للزّمن.
لماذا قرّر صادق جواد العودة إلى بلده عُمان وترك واشنطن؟
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وما ترتب عليها من تضييق – كما أسلفت – الأستاذ صادق جواد سليمان كان من الأشخاص الّذين كانوا في حالة الحيرة، كان يشير لي أنّه يريد أن يحسم أمره، يريد أن يبقى في الولايات المتحدة لأنّ أولاده انتشروا في ولايات مختلفة، وفقط ابنه محمّد كان يعمل في الخليج، وأعتقد كان في دبي، فوصل إلى نتيجة بأنّه سوف يستقرّ في الولايات المتحدة.
بعد فترة أبلغني العكس، أنّه يعيد دراسة هذا الأمر، وأنّه قرّر أن يعود إلى عُمان ويستقرّ فيها، أعتقد ما هو وصل إليه مؤخرا كان هو قرار الاستقرار في عمان، ويكتفي بزيارة الولايات المتحدة وواشنطن لرؤية عائلته وأولاده وأحفاده.
وهذا الّذي حدث أنّه هذه السّنوات الّتي أعقبت 11 سبتمبر 2001م، تقريبا يمضي ستّة أشهر في عمان، وستة أشهر أخرى في واشنطن ونيويورك لوجود أحد أبنائه فيها، حتّى حسم أمره بالاستقرار كليّا في عُمان. وفي سفرة سابقة حدث حادث في منزله في مسقط (حادثة سقوط)، ثمّ جاءت كورونا، وما جرى له أيضا من وضع صحي وطبيّ في الهند، وكان يعالج على هذا الأساس.
أعتقد أنّها فترة صعبة عليه وعلى كثيرين من الأشخاص الّين تجاوزا السّتينات، ويعيشون في السّبعين أو الثّمانين من عمرهم، من الّذين يعيشون خارج المنطقة العربيّة أن يحسموا أمرهم في سنوات حياتهم الأخيرة في مسألة الاستقرار، والرّجوع إلى بلدهم أو الانتقال إلى مكان آخر.
ما رؤية صادق جواد في أحداث الرّبيع العربيّ 2011م؟
ما حدث في المنطقة العربيّة ومنها عمان في مطلع عام 2011م ما سمّي بالرّبيع العربيّ أثّر عليه كثيرا، كان يقول لي: إنّه كان يذهب إلى بعض السّاحات الّتي يلتقي فيها بمجموعة من الشّباب العمانيّ، ويتحدّث إليهم، ويتفاعل معهم، ويسمع ما عندهم. يحثهم على نبذ أسلوب العنف، وكان لا يرى أنّ الثورات تعنى التّغيير العنفيّ، وكان ممّن يرى بالإصلاح المنهجي، والّذي يراعي تطوّر مراحله حتّى يصلح المجتمع والحكم معا. وهذه مقولة مهمّة حيث وجدنا آثارا خطيرة لبعض الأوطان العربيّة الّتي حدثت فيها ما سمي بثورات الرّبيع العربيّ.
هل انقطعت العلاقة بينكما بعد رجوعه إلى عُمان، وما آخر تواصل بينكما؟
في هذه السّنوات لم ينقطع التّواصل خاصة معه إطلاقا، خصوصا عن طريق البريد الإلكترونيّ، وقد أرسلت اسمه في نهاية التّسعينات أو في مطلع القرن الجديد على المؤتمر القوميّ العربيّ في بيروت، والمؤتمر القوميّ العربيّ الإسلاميّ وغيره، وأرسلت تعريفا عنه، وتمّ دعوته، وكان موضع ترحيب وإعجاب كبير، كما دعي إلى قطر، ثمّ إلى الإمارات، وأماكن مختلفة للحديث في ندوات عن مواضيع مختلفة، وكان دائما يذهب إلى الكويت مع الدّكتور محمّد الرّميحيّ، وحيثما يذهب يلقى الاستحسان والإعجاب بفكره ومنهجيّته.
آخر شيء وصلني منه كانت الرّسالة من الهند، كما وصلك أيضا يا أستاذ بدر، يتحدّث فيها أنّه يتابع العلاج، وأنّه يأمل أن يعود إلى مسقط قريبا، كما يأمل أن يعود أيضا إلى واشنطن، وأن يزور أولاده وأحفاده، وأن يلتقي بأصحابه وأصدقائه، لكن القدر لم يسعفه أن يفعل ذلك، وتوفي كما نعرف في الهند في العام الماضي في شهر تمّوز العام الماضي – رحمة الله-.
كيف تقرأ فكر صادق جواد بعد وفاته؟
الشّيخ محمد عبده (ت: 1905م) بمشاركة جمال الدّين الأفغانيّ (ت: 1897م) أصدرا في باريس في القرن الماضي مجلّة العروة الوثقى، وهي عبارة عن صفحات محدودة، ولا يوجد يومها أنترنت ولا وسائل تواصل اجتماعيّ، صدرت في تسعة عشر عددا فقط. وجبران خليل جبران (ت: 1931م) في رابطة القلم بنيويورك في القرن الماضي هو وأصدقاؤه كانوا يصدرون صحيفة يكتبون فيها عن شأن المنطقة بشكل عام. الشّاهد وجدنا بعد مائة سنة أو أقل بقليل أشخاصا كثيرين يقرأون كتب تلك الحقبة وصحفها، وبعض الكتب جبران ككتاب النّبيّ كان يتصدّر الأول من حيث المبيعات في الولايات المتحدة الأمريكيّة، يعتقد الأمريكيّون أنّ هذا الكتاب فلسفيّا وفكريّا مهمّا يسمّونه the prophet باللّغة الإنجليزيّة. لهذا لا أخاف على انتشار فكر صادق جواد سليمان.
إذا أردنا أن نعمل تلخيصا لحياة صادق جواد فكريّا وثقافيّا كيف نلخصها؟
صادق جواد من مواليد عام 1934م، وفي عام 1994م كان له من العمر ستون سنة تقريبا، هذه الفترة من حياته كانت منذ عمله كإعلامي وصحفي في الكويت، وكان محرّرا باللّغة الإنجليزيّة، إلى العمل الدّبلوماسيّ كسفير. في هذه الفترة لم يكتب، ولم ينشر أيّ شيء، كان ينظر إلى هذه العقود من حياته إليها كأيّ عمل دبلوماسيّ، أو أيّ سفير ناجح.
الجانب الفكريّ لديه حصل في حقبة التّسعينات، فهناك ثلاثة عقود في حياته، عقد التّسعينات، والعقد الأول من القرن الحالي، ثمّ العقد الثّاني من هذا القرن. عقد التّسعينات عقد إخراج هذا الخزّان الممتلئ، وفي هذا العقد كانت النّقاشات الّتي تحدث معه، وهي الّتي تزيد من أهميّة ما كان يكتب ويقول، فالمؤهلات لديه متوفرة، والخزّان فيه الكثير من الفكر المهم، والرّؤى الفلسفيّة، كان يطرح تساؤلات المفكّر. هذه الحقبة كانت مهمّة له شخصيّا، وكانت مهمّة لمن كانوا يتفاعلون معه، لكن هذه الحقبة كانت محصورة في إطار العرب الأمريكيّين، أو العرب في أمريكا، أو بعض المثقفين العرب في منطقة واشنطن، لم يكن له أي حضور فكريّ أو ثقافيّ في عُمان أو في المنطقة العربيّة حينها.
والعقد الأول من القرن الحالي كان قد خرج فيه إلى المنطقة العربيّة، وبدأ يدعى إلى ندوات في الأردن والكويت وقطر وعُمان والإمارات والقاهرة وفيها التقى مع محمّد حسنين هيكل (ت: 2016م)، وفي بيروت وغيرها.
العقد الثّاني من هذا القرن أعتقد أنّ عمان شكلت العقد الأخير من حياته، من 2010م وحتّى وفاته، فأنتم محظوظون جدّا أنّكم تعاملتم مع صادق جواد سليمان وهو في قمّة النّضوج الفكريّ، فأخذتم أفضل ما عنده في السّنوات الأخيرة من حياته. وقد كان يعني له كثيرا الجيل الجديد في عمان وفي المنطقة العربيّة.
وأرجو أن يعتني الجيل الجديد بفكر صادق جواد، ففيه أفضل حال لإصلاح المجتمعات العربيّة، وبه تصلح حكوماتها. وقديما قيل: “كما تكونون يولى عليكم”، لكنّي أرى أحيانا العكس أنّه كما يولى عليكم تكونون؛ لأنّ الأمور كثيرا ترتبط بتأثير الحكومات على المجتمع، وليس فقط المجتمع هو الّذي يؤثّر عليها، والأمور في الجملة في حالة تفاعل، وهذا الّذي نحتاجه على مستوى المنطقة العربيّة.
جزيل الشّكر لك يا أستاذ بدر على الاستضافة، وعلى ما تقوم به لتكريم فكر وشخص المرحوم صادق جواد سليمان.

ملحق كلمة الأستاذ صادق جواد سليمان في الحفل الّذي أقيم في واشنطن عام 2014م احتفالا بمرور عقدين على إنشاء مركز الحوار العربيّ، والّذي بثت قناة الجزير مباشر الحفل في مسجّلا:
صادق جواد سليمان: مساء الخير جميعا. وشكرا على مشاركتكم لهذا الاحتفال، في الذّكرى العشرين لمركز الحوار العربيّ، عشرون عاما من النّشاط المتواصل لأجل تطوير حوار بنّاء حول قضايا عربيّة مهمّة، وحول العلاقات العربيّة الأمريكيّة، أوصلت المركز إلى هذه المناسبة البهيجة. أنا سعيد برؤية ضيوف كرام مشاركين معنا الاحتفال، وسعيد كذلك بهذا الحضور الحافل لأعضاء وأصدقاء مركز الحوار. منكم من حضر تأسيس المركز عند تأسيسه عام 1994م، ومنكم من انتسب إلى المركز عضويّا كأعضاء فيما بعد، ومنكم من شجّع وساند على مرّ هذه السّنوات بشكل أو بآخر، وبمشاركتكم في نشاطات الحوار وقد لمستم عن قرب ماذا يقدّم هذا المركز من محاضرات وندوات وأحاديث على طيلة عشرين عاما. شكرا لكم جميعا. وبالنّسبة لي في تطوّر وعيي حول القضايا العربيّة والدّوليّة؛ أنا جدّا أرى نفسي مدينا لمركز الحوار، فالشّخصيّات الّتي حضرت وحاضرت دائما كانت على مستوى رفيع، وأيضا كذلك الحضور كانوا على مستوى رفيع وراق، شكرا لكم جميعا، وأمسية سعيدة للجميع.
