فجعنا اليوم في جمعة الإيمان والسّلام بالحادث الأليم في مسجدين بمنطقة كرايست تشيرتش بنيوزلندا، والّذي خلّف أربعين قتيلا، وأكثر من عشرين مصابا، منها إصابات أليمة.
والّذين قاموا بالعمليّة ينتسبون إلى اليمين المسيحيّ المتعصب، فقاموا بهذه العمليّة في يوم الجمعة، وهو يوم له مكانته عند المسيحيين قبل المسلمين، فهذا اليوم مذكر بالعشاء الأخير، حيث قدّم المسيح نفسه، ولم يقتل أعدائه، بل قال قبل ذلك: أحبوا أعدائكم، فضلا أن يقتلهم؛ بل فضلا أن يسعى إلى قتلهم وهم يمارسون طقوسهم، فهذا مجرم عند جميع الأديان والملل والنّحل، ولا يتقبله قلب سليم، ولا يستسيغه عقل سويّ.
ولن أحمّل هنا المسيحيّة، كما أنني أيضا لم أحمّل الإسلام ما فعله الجهلة من أبنائه هنا وهناك، ولم أحمّل اليهوديّة ما يفعله اليمين الصّهيونيّ من سفك للدّم، كما أنني لم أحمّل بوذية السّلام ما يفعله المتعصبون من منتسبيها في بورما، وكذا ما يفعله المتعصبون الهندوس والفيدس في كشمير!!
فإن قال المسيح في إنجيل متى: ما جئت لأنقض بل لأكمل، فشعارنا اليوم نحن أصحاب الأديان ينبغي أن يكون: ما جئت لأنقض بل لأصحح، فجميع الأديان بينت كرامة الإنسان، وحرّمت الدّم بغير حق، ولكن المشكلة ليس في النّصوص الأولى؛ وإنّما في إنزالات النّص، والزّيادات عليه شرحا وإضافة، ممّا ولّد قاعدة للعديد من المتطرفين من جميع الأديان، ولولا رحمة الله من قبل بعض السّاسة والفلاسفة واللّاهوتيين المعتدلين؛ لأكل التّطرف الأخضر واليابس، ولهلكت البلاد والعباد، فهذا يقتل كما يقول أحمد مطر باسم التّوراة، وذاك باسم الإنجيل، وثالث باسم القرآن!!
لقد شنّ الغرب هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين، فصوروه دين إرهاب، ورسوله رسول دم وقتل، رغم الجماعات اليمينيّة المتعصبة المنتسبة إلى المسيحيّة في الغرب، ورغم ما تفعله الصّهيونيّة في الشّرق، فإن حدث قتل في الشّرق قالوا الإرهاب الإسلاميّ، وإن حدث في الغرب من غير المسلمين قالوا: الإرهاب المتطرف، ولم ينسبوه إلى المسيحيّة، ونحن نشاركهم في عدم نسبته إلى المسيحيّة؛ لأنّها براء من أيّ دم سفك بغير حق، ولكن من العدل أيضا عدم نسبة ما يماثله إلى الإسلام والأديان الأخرى.
إنّ الإرهاب والتّطرف لا يعرف دينا ولا فكرا، ففي نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين، كم من دماء أسيلت باسم الاشتراكيّة، وقد جاءت لتحقيق العدالة، وبعد الثّورة الفرنسيّة كم من روح أزهقت باسم الحريّة واللّبراليّة، وقد أسقطوا لويس السّادس عشر والملكيّة، ولكنهم أزهقوا أرواحا باسمها، وهذه العلمانيّة والدّيمقراطيّة في أمريكا جرّت إلى حرب أهليّة في نهاية القرن التّاسع عشر، فتل بسببها الآلاف بغير حق!!
فإذا كان هذا وفق تصورات فلاسفة أرادوا الخير للبشريّة، فنما متطرفون جعلوها غاية لتحقيق مآربهم، حتى أدركت الأجيال قيمة التّسامح والتّعايش بين البشر، فكيف بأديان أضيفت لها شروحات ونصوص لمئات السّنين، واستغلت كذلك لمثل هذه المآرب، حتى جعل الخلل فيها، فشوهت صورتها!!
فهذا الخلل والتّشويه لم يكن من فراغ، عندما اقتصرنا على شعارات التّسامح والتّعايش، وهو حسن جميل، نحن بحاجة إليه؛ ولكن بحاجة أيضا إلى التّصحيح، وإرجاع المتشابه إلى المحكم، وجعل التّأريخ في ظرفيته، والعيش في الواقع في ظلّ العالم الّذي أصبح يعيش في قرية واحدة، فحاجتنا إلى معرفة الآخر، لا يقل عن حاجتنا في تصحيح الذّات.
إنّ أنبياء الله ورسله كانوا رسل سلام ومحبة بين البشر قبل أن يكونوا أنبياء يبلغون رسالات الله تعالى، ولقد خلّد القرآن رسالة موسى حيث قال سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة/ 32].
فلماذا كانوا رسل سلام ومحبة؟ لأنّهم انطلقوا من الغاية المشتركة وهي الإنسان الّذي خلقه الله تعالى متعددا ومختلفا في آن واحد، ليجعل الواحدية له وحده سبحانه، والتّعدد والاختلاف من طبيعة مخلوقاته، والإنسان كغيره من المخلوقات مختلف في دينه ولونه وجنسه وتوجهه، وإقرار ذلك إقرار بالإنسان ذاته، ومحاربته من التّعدّي في سنّة بشريّة تكوينيّة في ذاتها، وما كان لرسل الله أن يكون أعداء لسنن الله تعالى التّكوينيّة، وما خالف ذلك من صنع البشر واختلاقهم!!
لم أرد بهذا المقال التّشفي من المسيحيّة لفعل جهلة منهم، وأنى لي ذلك من ديانة دعت إلى السّلام من أول غرس للسّيد المسيح، فأروى بسلامه ضمأ السّامريّة وقد اضطهدوا واستعبدوا من بني جلدتهم من بني إسرائيل!!
كما أنني أيضا هنا لا أدافع عن الضّحايا المسلمين لكونهم من بني جلدتنا، وينتسبون إلى ديننا؛ لأني أقوم بذلك قبل أن يكونوا مسلمين هم بشر كسائر البشر، لهم قيمتهم الإنسانيّة كغيرهم، فلا فرق عندي بين أحد، وللجميع حق الحياة، وحق الشّراك في التّمتع بالوجود، أيّا كانوا، وإلى أيّ دين أو جنس ينتمون!!
كما أنني أثمن جهود الدّول الغربيّة، والعديد من مؤسساتها المدنيّة، وإلى جهود فلاسفتهم، والمتنورين من رجال دينهم، حيث مكنوا القيمة الإنسانيّة في العديد من دولهم، فصدح الأذان ليعانق أجراس الكنائس بكلّ حريّة، فمارسوا طقوسهم، وتعايشوا مع إخوانهم في البلد الواحد!!
وأثمّن ما قامت به ما قامت به الحكومة النّيوزلنديّة من وقفة صادقة، وتضامن مع المسلمين، من باب الإنسانيّة الواحدة، فينبغي أن تكون هذه الوقفة واحدة في العالم أجمع!!
ذما أريد ختامه هنا، وإن كان للحديث جوانب أخرى عديدة، إلا أنّ المهم أن نصحح وننقد كلّ تطرف وإرهاب، من أيّ دين وتوجه كان، وأن نشترك في بيان أسبابه، ونقد أصوله، فقد بذل من تقدّم الكثير، فعلينا أيضا أن نواصل المسير!!
صحيفة شؤون عمانيّة 1440هـ/ 2019م