قرّرت في نهاية العام الهجريّ 1446هـ أن أقضي عيد الأضحى في نوراليا في جمهوريّة سريلانكا الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة، ونوراليا كلمة سنهاليّة أصلها نورا إليا، أي مدينة النّور، أو مدينة السّهل، ويسميها العرب نور عليّ، ويطلق عليها الإنجليز إنجلترا الصّغيرة، فقد كانت ضمن الاستعمار البريطانيّ منذ 1815م وحتّى 1948م، لهذا نوراليا تحمل طابعا بريطانيّا في المباني والطّرق ودور العبادة وأماكن الشّاي والاستجمام.

من ينظر إلى خريطة سريلانكا يراها كعين باكية، لكن واقعها مختلف تماما، فهي من جنّات الأرض الّتي تجري من تحتها الأنهار، جمال الطّبيعة مع اعتدال الطّقس، يكسوها الثّوب الأخضر من الزّروع والأشجار، وتتجمل بعفويّة النّاس ولطافتهم. وأشكالهم وعاداتهم ومطعوماتهم أقرب إلى الهند، بيد أنّهم أكثر لطافة وحسن معشر.
وسريلانكا اليوم تعود إلى عرقين كبيرين: العرق السّنهاليّ وهم الغالبيّة المنتمية إلى الدّيانة البوذيّة التّيرافاديّة، وصاحبة السّلطة والكلمة فيها، ولغتهم السّنهاليّة. والعرق التّاميليّ، وهؤلاء غالبهم هندوس، وفيهم مسلمون ومسيحيّون، وأصلهم من تاميل سريلانكا، بيد بعض التّاميل نزح من الهند للعمل في مزارع الشّاي، واستقرّ فيها، وهؤلاء يتحدّثون التّاميليّة. ويوجد فيهم عرق خليط من العرب والهنود والسّيرلانكيّين يسمون المور، وهم مسلمون يتحدّثون التّاميليّة. وعرق من أصول أوروبيّة قليل جدّا استقرّ فيها وقت الاستعمار الأوروبيّ يسمى البرغر. وعرق قليل أيضا نزح من أندونيسيا وشرق آسيا من الملاويين وهم مسلمون. بجانب عرقها القديم الفيدا، وأصبحوا أقليّة لا تكاد تذكر.
العرق السّنهاليّ لكونه الأغلب في سيرلانكا أصبح صاحب السّلطة والكلمة فيها بعد الاستقلال في بلد يتجاوز عشرين مليون نسمة، ممّا شعرت الأقليّات الأخرى وعلى رأسها التّاميل بالتّهميش، خصوصا بعد قانون 1956م باعتبار اللّغة السّنهاليّة اللّغة الرّسميّة الأولى في البلاد، أدّى إلى حرب أهليّة منذ 1983م وحتّى 2009م عرفت بحرب النّمور أو نمور تحرير تاميل إيلام، حيث تزعمها التّاميل المطالبين بدولة تاميليّة في شمال وشرق سريلانكا، ممّا أثّر سلبا على استقرار البلد وتقدّمه.

بعد 2009م تحولت سيرلانكا من دولة مفكّكة إلى دولة مركزيّة موحدة، وفق الهويّة الوطنيّة الواحدة، لهذا تقدّمت في الخدمات والبنية التّحتيّة والسّياحيّة، واهتمت بالجوانب العسكريّة والشّرطيّة والأمنيّة للحفاظ على الوحدة الوطنيّة. ونظام الحكم في سيرلانكا اليوم نظام جمهوريّ ديمقراطيّ، فرئيس الدّولة منتخب من الشّعب، مدّة الدّورة خمس سنوات قابلة للتّجديد مرة واحدة، ثمّ يليه رئيس الوزراء، وهو منتخب أيضا من الحزب صاحب الأغلبيّة كلّ خمس سنوات، ثمّ البرلمان صاحب الصّفة التّشريعيّة والرّقابيّة، ثمّ القضاء وهو شبه مستقل. ومع هذه الإصلاحات إلّا أنّ التّوترات لا زالت تحدث بين فترة وأخرى، بسبب غلبة السّنهاليّة البوذيّة، وشعور الأعراق وخصوصا الأقليّات الأقل بالتّهميش. تمثل هذا من خلال سيطرة حزب الحريّة السّريلانكيّ ذات الأغلبيّة السّنهاليّة على الحكم لفترات طويلة.
في السّنوات الأخيرة تحولت الإشكاليّة من صراع عرقيّ إلى صراع اقتصاديّ، وهنا واجهت الحكومة إشكاليّة مع جميع أعراق المجتمع بشكل عام، كما زادت الفجوة مع الأقليّات الشّاعرة بالمظلوميّة. سبب هذا أنّ سيرلانكا لبناء بنية تحتيّة وتشجيع السّياحة أنفقت بشكل كبير على الخدمات، فسعت إلى التّقشف من جهة، والاقتراض من جهة أخرى، وزاد الطّين بلّة جائحة كورونا، حيث توقفت حركة السّياحة في البلاد، مع انهيار العملة، والتّضخم وارتفاع الأسعار، ونقص الوقود والكهرباء، وارتفاع الدّيون. على إثر هذا قامت مظاهرات أسقطت بالرّئيس غوتابايا راجاباكسا وكان من حزب الجبهة الشّعبيّة السّريلانكيّة، الحزب القوميّ البوذيّ المناصر للقوميّة السّنهاليّة البوذيّة، والّذي استقال وخرج من البلاد، وجاء بعده رانيل ويكرمسينغه من الحزب الوطنيّ المتحد، وهو حزب لبراليّ، ثمّ أنورا كومارا ديساناياكي من حزب جبهة تحرير الشّعب، وهو حزب يساريّ، وهو الحاكم حتّى اليوم.
الزّائر لسيرلانكا لا يشعر بهذا الاضطراب، يشعر بعالم آخر من الجمال واللّطافة، جمال الطّبيعة مع لطافة الشّعب. وهذا ما لحظته منذ بداية ذهابي على طيران السّلام يوم الجمعة 3 ذو الحجّة 1446هـ/ 30 مايو 2025م، وجدت ذلك مع السّيرلانكيّين في الطّائرة، ووجدته في المطار، وأذكر أنّي عندما ذهبت إلى مكان التّأشيرات في مطار باندارانايكا الدّوليّ في كولومبو نسيت غطاء الرّأس، وتذكرته لمّا كنت في منفذ (كاونتر) الجوازات، وعندما ختم الشّرطيّ على الجواز تذكرته، فأخبرته فضحك، فقال لي: اذهب وخذه ثمّ عد إليّ، فذهبت وأتيت إليه مباشرة، وسلمني الجواز دون الانتظار في الطّابور مرة أخرى، وعندما كنت راجعا إلى المطار ذاته للعودة إلى الوطن، وكان فجر الاثنين 14 ذو الحجّة 1446هـ/ 9 يونيو 2025م، وكنت متعبا، عند منفذ الخروج إذا به ينظر إليّ مبتسما، قال لي: ألا تتذكرني، قلت له: لا، قال: أنا من ختمت جواز الدّخول وقد نسيت غطاء الرّأس، فتذكرته تماما، واعتذرت له مع شكره أيضا.
وجدت هذه اللّطافة في غالب الأمكنة الّتي زرتها، والعجيب مع أنّي أتجنب اللّباس العمانيّ، ولكنّي أجد من يناديني “أنت من عُمان”، “أنت من مسقط”، “أنا أختي أو أمي أو أخي أو أبي يعمل في عُمان”، ويثني على عمان، ممّا جرّني وأنا في سيرلانكا أن أكتب مقالة بعنوان: “الأخلاق النّاعمة في المجتمع العمانيّ”، وممّا قلته فيها بتصرّف: “بدأ هذا التّفكير لديّ مبكرا قبل حوالي ستة وعشرين عاما، لمّا كنت في سوق روي الّذي يكثر فيها الوافدون لشراء غرض الكترونيّ لأحد المساجد في بُهلا عام 1999م تقريبا، دخلت إلى إحدى المحلّات، يبيع فيها رجل مسنّ، وكان ملتحيا، ولا أدري أكان هندوسيّا أم سيخيّا، وكنت حينها لا أفرّق بينهما، وكنت أمازحه وأنا بهيئتي الدّينيّة، حينها قال لي – ولا زلت أذكر كلامه -، أتعجب من حسن تعاملكم معنا، وعدم التّفريق بيننا، ثمّ ذكر لي بعض معاناته في دولة خليجيّة عمل فيها، خصوصا وهو في هيئته الدّينيّة. بعدها كانت لدي صور ونماذج عديدة، قد يكون ذكر بعضها فيه شيء من الحساسيّة لا يناسب المقام، بيد أني وأنا في “نوراليا” في سيرلانكا لأشارك المسلمين هناك عيد الأضحى والكتابة عنه، أدركتُ مدى حضور هذه “الأخلاق النّاعمة” في المجتمع السّريلانكيّ مثلا، وأنا مثلا في العاصمة “كولومبو” في المقهى أو الشّارع أو الشّاطئ أو السّوق أو المسجد أو النّزل أو القطار أو التّك توك، وعادتي اختلط بالنّاس، وأحاول أن أقترب منهم، إلّا أنّ السّريلانكيّ هو من يقترب منّك، وفيهم سمة اللّطافة وحسن المعشر، ولمّا يسألك من أين؟ وتجيبه من عُمان، هنا لم أجد أحدا منهم في الجملة سألني: أين عُمان؟، لكنّه يبادر مباشرة بالقول: أميّ أو أختي أو أبي أو أخي أو عمّي أو صديق لي عمل أو يعمل في عُمان، ويرجع بالثّناء عليها، هذا شاهدته إلى حدّ التّواتر، وليس حالة أو حالتين. وفي النّزل “نوراليا” وكان ملكا شخصيّا لعائلة بوذيّة أصلها من مدينة “كاندي”، بيد لهم بيت حوّلوه إلى نزل صغير في “نوراليا”، وكان من يعمل فيه ابنهم ذو التّاسعة عشر من عمره، مع خادمه والّذي في الأربعين من عُمره، وكانوا في قمّة الكرم والسّماحة والبشاشة، فسألته أين باقي أسرته؟ قال لي: والدتي تعمل ممرضة في كاندي ومعها أخي الأصغر، وأبي يعمل مهندسا في مسقط في عُمان، وحاليا هو في مسقط، وذكر لي الصّورة الحسنة الّتي ينقلها عن عُمان، وحسن تعامل النّاس معه، وكان يقدّمون لي مع كلّ وجبه تمر الخلاص العمانيّ، وجدت هذا الثّناء أيضا في المسجد القريب في قرية “Haweliya”، وينسب إليها، وجدت في المسجد شبابا من جماعة التّبليغ الشّهيرة، وكانوا خارجين للدّعوة في سيرلانكا أربعين يوما، وفي هذا المسجد سبعة أيام، فجاء يسلّم عليّ أمير الجماعة، وقالوا لي: هذا أميرهم في سيرلانكا عموما، وقد زار عُمان ويذكر مشاهد حسنة عنها، إلّا أنّ حسن تعامل النّاس معه هو الّذي زاد حسن انطباعه عنها وجذبه إليها”.

علاقة سيرلانكا بعمان علاقة موغلة في القدم، حيث تقع ضمن طرقهم إلى الصّين، ويسمونها أيضا قديما “سرنديب” كعادة العرب. تذكر شيماء الزّدجاليّة في بحثها حول “مظاهر النّشاط التّجاريّ في عُمان من خلال كتاب الضّياء للعوتبيّ” (ت بين: 430هـ و 440هـ)، حيث ذكر صاحب الضّياء أنّ “سفن أهل عُمان وتجّارها يجوبون الموانئ من سندان في الهند إلى عدن، ومن صحار إلى سرنديب، ثمّ إلى الصّين”[1].
سكنت في البداية في فندق فيرواي كولومبو Fairway Colombo، ومنطقة فيرواي أو فورت من أشهر المناطق في العاصمة كولومبو، ففيها مباني قديمة هندستها هولنديّة وبريطانيّة، وقريب منها شاطئ جالي فيس جرين Galle Face Green، وهو من أجمل الشواطئ في كولومبو، وفيها القصر الرّئاسيّ أو دار الرّئاسة، وهو تحفة معماريّة، كما يقترب من الفندق مسجد صغير شاركتهم الصّلاة أكثر من مرة، مع أنّه يوجد المسجد الأحمر، افتتح في عام 1909م، وصمّمه المهندس هربرت تشتّي Herbert Chitty، وهو مسلم من أصول بريطانيّة.

والإسلام وصل إلى سيرلانكا مبكرا جدّا في القرن الأول الهجريّ عن طريق التّجار، ومع هذا اليوم أقليّة لا يتجاوزن عشرة بالمائة، وغالبهم سنّة على المذهب الشّافعيّ، ويوجد أقليّة من الأحناف، ولغتهم التّاميليّة، كما يتحدّثون أيضا الإنجليزيّة والسّنهاليّة.
العلاقة التّجاريّة بين عُمان وسرنديب، لكونها ضمن محطّات طريق الصّين، ورغم وصول الإسلام إليها باكرا، إلّا أنّ الذّاكرة الإسلاميّة عموما، والعمانيّة خصوصا بخلت أن تحفظ لنا العديد من جوانبها، ولا زالت الدّراسة – للأسف – ضعيفة، وغالبها يعتمد على ترجمات الدّراسات الغربيّة، ومّما حفظته الذّاكرة القريبة أنّ سرنديب استخدمها الإنجليز كمنفى لبعض المصريّين، وعلى رأسهم أحمد عرابي (ت: 1911م)، وقد أقام فيها عشرين عاما، كما تحفظ لنا الذّاكرة منفى الشّاعر محمود سامي الباروديّ (ت: 1904م)، أقام فيها حوالي سبعة عشر عاما حتّى رجع إلى مصر 1899م، أقام غالبها في كولومبو، وجزءا في كالدي، وفيها كانت أشعاره حول الغربة والحنين إلى الوطن، والّتي أصبحت روحا لا يتجزأ من شعر البارونيّ، كقوله:

يا نديميَّ في سرنديبَ كُفَّا
عن ملامي فليس يُغني الملامُ
أنا في هذه الدّيار غريبٌ
وغريبُ الدّيار ليس يُلامُ
واذكرا لي فسطاطَ مصرَ فإنّي
بهواها متيَّمٌ مستهامُ
وقوله:
وللوطن في دم كلّ حرٍّ
يدٌ سلفت ودَينٌ مستحقُّ
والدّيانة الأغلب في سيرلانكا البوذية الثّيرافاديّة، وعددهم يزيد عن سبعين بالمائة، وغالبهم من العرق السّنهاليّ كما أسلفت، ثمّ الهندوس ولا يزيدون عن خمسة عشرة بالمائة، وأغلبهم من التّاميل، ثمّ الإسلام وسبق الحديث عنه، ثمّ المسيحيّة وهم أقليّة جدّا، غالبهم كاثوليك، ثم أقليّة منهم بروتستانت، وهم من أعراق مختلفة.
هذه المنطقة الّتي سكنت فيها مليئة بالمطاعم والمقاهي والبارات والحياة اللّيليّة، وغالبها من السّياح الغربيّين. أخذت تك توك وكان السّائق رجلا هندوسيّا كبيرا في السّنّ، شكله كأنّه من الرّهبان القدامى، كان متمرسا في السّياقة وحفظه للطّرق، أخذتُ جولة صباحيّة قصيرة معه، ذهبنا ابتداء إلى كنيسة القدّيس أنطونيوس، وهي تقع في منطقة كولّوبيتيا (كولبيتي) في كولومبو، تأسّست عام 1938م، وهي كنيسة كاثوليكيّة نسبة إلى القدّيس أنطونيوس البادوي (1195–1231م)، برتغالي من كبار علماء الرّهبنة الفرنسيسكانيّة، والمسيحيّة عموما في سيرلانكا وإن كانت أقليّة يغلب عليه الوجود الكاثوليكيّ حيث انتشرت مع الوجود البرتغاليّ، ثمّ بنسبة أقل البروتستانت جاءوا مع الإرساليّات المعاصرة. وجدت داخل الكنيسة محرابا صغيرا للصّلاة وضعت في بدايته لوحة رخاميّة مكتوب فيها: “أُقيم هذا المصلّى (الكنيسة الصّغيرة) تخليدا لذكرى سيبيل (SYBIL)الزّوجة المحبوبة لـ C. E. Fonsekaالّتي توفيت في 13 مارس 1948م، قلَّ أن عاش إنسان وهو يحظى بمثل هذا القدر من المحبّة والاحترام، وقلَّ أن رحل إنسان وقد حزن عليه النّاس بهذا الصّدق والإخلاص”. ولوحة أخرى مكتوب فيها: “أقيم هذا المصلّى (الكنيسة الصّغيرة) بواسطة مارتن بيريرا ويجيسينغه تخليدا لذكرى والديه فرانسيس بيريرا ويجيسينغه والسّيّدة دونا هيلينا فونسيكا … ليرقدا في سلام”. ولوحات أخرى للسّيدة العذراء مريم وظهورها لبعض الرّهبان. ولوحة مكتوب فيها: “شمعة… يا ربّ، لتكن هذه الشّمعة الّتي أوقدتها نورا هاديا تنير به طريقي في صعوباتي، وفي جميع قراراتي، نارا تحرق بها أنانيّتي وكبريائي وكلّ ما فيّ من شوائب، شعلة تدفئ قلبي الفاتر، ولْتكن حياتي كلّها مقدّمة لك بجدارة، كما أقدّم لك هذه الشّمعة، وألهمني أن أكون أنا أيضا شمعة تحترق لتنير للآخرين الطّريق، وتنشر المحبّة والسّلام، وتخدم النّاس بإخلاص”. وغيرها من اللّوحات.

كما أهداني العامل في الكنيسة كتابا احتفائيّا صادرا في 2013م بمناسبة مرور 75 سنة على بناء هذه الكنيسة (اليوبيل الماسي)، وفي مقدّمة الكتاب: “نحن أبناء رعية كنيسة القدّيس أنطونيوس في كولّوبيتيا نجتمع بفرح لافتتاح احتفالات اليوبيل الماسي (75 عاما)، والّتي تمتدّ من 24 يونيو 2012 إلى 30 يونيو 2013. وفي هذه الذّكرى الخامسة والسّبعين نجدّد تكريس رعيّتنا لشفيعها القدّيس أنطونيوس البادوي، ونتذكّر كيف نمت الكنيسة من بدايات متواضعة لخدمة جماعة متعدّدة اللّغات بفضل نعمة الرّوح القدس، وجهود وتضحيات الأجيال السّابقة. نبذة تاريخيّة عن الكنيسة: خصّصت الأرض لبناء الكنيسة بناء على طلب الأب C. V. Croos كاهن رسالة سليف آيلاند آنذاك. منح الأرض رئيس الأساقفة Peter Marque. وُضع حجر الأساس في 15 أكتوبر 1934م على يد الأب Theobald de Silva. اكتمل بناء الكنيسة جزئيًا سنة 1938م، باركها رئيس الأساقفة J. M. Masson في 5 يونيو 1938م. أقيم أول عيد للقدّيس أنطونيوس في 19 يونيو 1938م. الشّكر والتّقدير: تشكر الوثيقة الكهنة والرّاهبات والعاملين والعلمانيّين الّذين خدموا الكنيسة طوال 75 عاما، وساهموا في بنائها وصيانتها ودعمها ماليّا وروحيّا. كما تتضرّع إلى الله أن يبارك كاهن الرّعيّة الحالي الأب ن. مانوكوماران والرّعية كلّها، وأن تكون سنة اليوبيل سنة فرح ومصالحة وصلاة وبركة”.

ثمّ ذهبتُ إلى المعبد الهندوسيّ في منطقة مارادانا واسمه: “معبد الإله فيناياكار (غانيشا) Sri Bala Selva Vinayagar Kovil”، وهو من المعابد الهندوسيّة التّاميليّة القديمة، ويعود إلى القرن الثّامن عشر الميلاديّ، في مقدّمته برج كبير مزخرف يحوي المئات من التّماثيل الهندوسيّة. ونسبة المعبد إلى الإله غانيش، وهو ابن شيفا وزوجته بارفاتي، وشيفا هو جزء من الثّالوث الهندوسيّ: براهما وفيشنو وشيفا، ومنهم تتفرع باقي الآلهة، وشيفا مرتبط بالتّحول والتّدمير. وابنه الإله غانيش رمز لإزالة العقبات وجلب التّوفيق، ويتميّز تمثاله برأس الفيل. كما وجدت لوحة إعلانيّة فيها صورة الإله مورغان، وهو الأخ الشّقيق لغانيش، والإله مورغان رمز الشّجاعة والنّصر والحكمة العسكريّة، وتمثاله على صورة شابّ وسيم يحمل رمحا، ويركب الطّاووس الّذي كان أصله شيطانا انتصر عليه، فتحول إلى طاووس، وأصبح مركوبه. والإعلان بالتّاميليّة، ويشير إلى مهرجان دينيّ سنويّ سيقام في المعبد، ويتضمّن احتفالات تبدأ في 31 مايو 2025م، وتستمر حتّى 10 يونيو 2025م، وبرنامج الاحتفالات: في 31 مايو 2025م وفيه رفع العلم المقدّس إيذانا ببدء المهرجان، ثمّ طقوس وصلوات مسائيّة، وفي 9 يونيو 2025م موكب دينيّ ليليّ، وطقوس وقرابين خاصّة في منتصف النهار، وفي 10 يونيو 2025م مراسم دينيّة صباحيّة، واحتفال رئيسيّ بعد الظّهر، ثمّ موكب ختاميّ مساء، وفي13 يونيو 2025م إنزال العلم وإعلان انتهاء المهرجان. عموما كان المعبد مغلقا، ومع هذا أخذت جولة حوله.

ثمّ طلبت من صاحب التّك توك الذّهاب إلى مكان بيع الكتب، فحملني إلى شارع ذكّرني بشارع المتنبي في العراق، وبالعتبة والأزبكيّة في مصر، وبشارع بورقيبة في تونس، وأنا أتأمل هذه الكتب وما تستبطنه من معارف نجهل أغلبها، جاءتني خاطرة فكتبتها مباشرة في هاتفي، ونشرتها لبعض الأصدقاء ابتداء قبل أن أضيفها إلى مقالة، قلتُ فيها: “وأنا أتأمل في شارع الكتب القديمة رخيصة الثّمن في كولومبو عاصمة سيرلانكا (سرنديب العرب قديما) أجد معارف وتأملات تكتنزها قارّة وادي السّند ببعدها الكبير، أو دول (الهند – نيبال – سيرلانكا – بوتان – بنجلاديش – باكستان – المالديف)، فمن كثافة السّكان فيها، إلى التّدافعات السّياسيّة الأخيرة الّتي أثرت سلبا في الأوضاع المعيشيّة على نسبة وتناسب بينها، بيد أنّها تحمل في بطنها غنوصيّة موغلة في القدم، ذات تعدّديّة دينيّة ومذهبيّة وعرفانيّة وثقافيّة، خلقت تعايشا في الأجواء العامّة مع عامّة السّكان، في المقابل هناك حالة تكنلوجيّة ومعلوماتيّة متقدّمة في المعارف الطّبيعيّة والتّجريبيّة والعلميّة في بعض جامعاتها، هذه الأجواء خلقت نتاجا كتابيّا لا زلنا – نحن العرب – نجهل الكثير منه مع قربنا من هذه القارّة (بمفهومها السّكانيّ والتّأريخيّ والثّقافيّ)، وفي تأملي لهذه المكتبات أجد ثلثها ولا أبالغ إن قلت نصفها بالإنجليزيّة، ولكن لمّا تأملت بعضها لم تكن دراسات أجنبيّة عنها، بيد أنّي وجدّت العديد من كتّابها من أبناء المنطقة، ومنهم رهبان يروون تجربتهم وخلاصة حياتهم الرّوحيّة والتّأمليّة، فهناك عوالم معرفيّة قريبة منّا نجهلها، ولكي نفهمها نذهب إلى ما قاله البعيد عنها، ونترجم عنهم وعن رؤيتهم لها، كالّذي يريد أن يعرف عنّا يذهب إلى ما قاله المستشرقون والكتّاب الغربيّون عنّا، فينبغي أن يكسر هذا الحاجز، فهؤلاء يشتركون معنا في الماضي بحسناته وسلبياته، ويتشابهون معنا ثقافيّا، وبيننا مشتركات كبيرة، فينبغي أن تكون في جامعاتنا ومراكزنا أقسام لدراسة الشّرق، وترجمة المهمّ ممّا ينتجه أبناء هذا الاتّجاه وحتّى الامتداد شرقا، ولا يكتفى عند الجوانب السّياحيّة والعلاقات السّياسيّة العابرة، كما لا يعني هذا إهمال العوالم الأخرى، حيث الانفتاح على جميع العوالم، وكشف ما تكتنزه من معارف، ووجود مراكز أو أقسام جامعيّة متخصّصة يعتبر عنصر قوّة، لا أن نكون مجرّد مستهلكين لما ينتجه الغربيّون فحسب، ونستهلك حتّى نتائجهم عن الآخر مع أهميّتها، ولكن ينبغي أن ننتقل إلى عنصر الفاعليّة المؤثرة والمنتجة أيضا بدون واسطة وإعادة تدوير لا أكثر”.

عموما اشتريتُ مجموعة من الكتب الّتي لها علاقة ببوذيّة الثّيرافادا، وأغراني رخص ثمنها، وقد سبّبت لي مشكلة في الرّجوع، حيث لمّا كنت في مطار باندارانايكا الدّوليّ في كولومبو وجدتُ مكتبة تبيع أيضا كتبا حول هذا المذهب البوذيّ، وكانت أغلى في الثّمن، فضحيت لأجلها ما عندي من مال؛ لأنّه صعب الحصول عليها في معارضنا العربيّة فضلا عن الخليجيّة، فهذه المعارض – للأسف – غير قادرة أساسا على الانفتاح على الأقليّات الدّينيّة العربيّة كالمسيحيّة مثلا فضلا عن البعيد عنّا، بدعاوى مختلقة لا قيمة لها أمام المعرفة. اشتريت مجموعة كبيرة من الكتب وحملتها في حقيبة اليد، بجانب الكتب الأخرى في حقيبة الملابس. ولمّا وصلت إلى مطار مسقط وأنهيت الجوازات، وعند تفتيش حقائب اليد أمرني الشّرطيّ أن أفتح الحقيبة، ففتحتها وشاهد هذه الكتب وغالبها كانت فيها صور مجسّم بوذا أو الرّهبان البوذيّين، فسألني عنها: فأجبته أنني أشتغل في معرفة الآخر ومنها دينه، وهذه لا أستطيع توفيرها في عُمان، فطلب جوازي، وأمرني أن أنتظر بالأسفل. ذهبت إلى أخذ حقيبة الملابس، وانتظرت قليلا، ثمّ سمعت الشّرطي ينادينيّ، فقال: أتبعني، وكان لطيف التّعامل معي رغم كبر سنه، فأخذني إلى مكتب في المطار، ثمّ جاء شرطيّ آخر، وكانت رتبته أعلى: فطلب منّي فتح الحقيبتين، وإخراج جميع الكتب، فسألني ذات السّؤال، وأجبته بمثله، وكنت أحمل السّيرة الذّاتيّة، وقلت له: هذه سيرتي، وأنا أكتب عن الأديان والمذاهب، وهذه بعض كتبي، وكتبت عن الأديان في جريدة عُمان، ويمكنك أن تسأل المسؤولين فيها، قال: نحن لا يوجد لدينا مانع، لكن هناك توجيهات من الإعلام بأخذ تصريح، قلت له: لا بأس، أترك الكتب معكم حتّى آخذ تصريحا لها، قال: سأرجع لك، ورجع بعد فترة قصيرة، وطلب أحد الشّرطة بترتيب الكتب في الحقيبتين، اعتذرت له، قلتُ له: أرتبها بنفسي، سلمني الجواز، وقال: يمكنك الذّهاب مع الكتب، فشكرته، وكان أيضا لطيفا، جرّني هذا الحدث وما شابهه إلى كتابة مقالة: “الحدود وإشكاليّة دخول الكتاب” ونشرتها في جريدة عُمان.
في هذه الفترة كنت أبحث عن آلية الذّهاب إلى نوراليا، وكنت أبحث عن سيارة؛ وجدتها مرتفعة الثّمن، وأنا في المقهى الملحق بالفندق، كنت مع سيرلانكيّ يعمل في المقهى، وعمل أيضا في السّعوديّة، وكان لطيفا حسن المعشر، فذكرت له أمري، فنصحني أن أذهب عن طريق القطار، ويمكنني حجز تذكرة عن طريق الموقع الالكترونيّ، لكن لكون المحطّة قريبة من فندقي أي محطّة كولومبو فورت Fort Railway station؛ طلبت من صديقي صاحب التّك توك الذّهاب إليها، وكان خبيرا بمكاتبها ومن يعمل فيها. حجزت تذكرة في الدّرجة الأولى، وكانت رخيصة الثّمن، ولك خيارات في الوقت الّذي يناسبك، فاخترت السّادسة من صباح يوم الاثنين 6 ذو الحجّة 1446هـ/ 2 يونيو 2025م، وطلبت من صاحب التّك توك أن ينتظرني عند الفندق في الخامسة صباحا؛ لأنّ المحطّة قريبة منّي، لا تتجاوز مشيا عشر دقائق.
انطلقت في السّادسة صباحا، وجدت جنات تجري من تحتها الأنهار، مررت بعوالم وقرى جميلة، رأيت الأطفال وهم يذهبون إلى مدارسهم في الصّباح الباكر، رأيت رجالا ونساء يذهبون إلى أعمالهم، أشعر بسعادة كبيرة عندما أرى الحياة، وأرى النّاس يستمتعون بها، الأطفال يتعلّمون ويلعبون، الكبار متعايشون مع بعضهم، يسودهم العمل والمرح والغناء، الحياة تسعهم جميعا. كان القطار مريحا، والأكل رخيصا ويمرّ بين فترة وأخرى.
بعد قرابة ست ساعات وصلت إلى محطّة نانو أويا Nanu Oya Railway Station، وكنت متعبا، وقد حجز لي الفندق سائقا ينتظرني، بيد أنّي لم أهتدِ إليه، وكان الواتس مغلقا، جاءني شخص يسألني: عن ماذا أبحث؟ فأخبرته، طلب منّي رقمه واتّصل به، فإذا بالرّجل ينتظرني في الأعلى. كان رجلا في الخمسين من عمره، عمل في مطار الرّياض ضمن الطّيران السّيرلانيّ فترة من الزّمن، اشترى براتبه سيارة فان صندوقها مفتوح من الخلف أقرب إلى الشّاحنة الصّغيرة، وأصبحت مصدر رزقه. كان رجلا متواضعا ولطيفا ومتعلّما أيضا، استفدت منه، وكان بيننا أحاديث طويلة في البوذيّة والعادات والتّقاليد السّيرلانكيّة، وكان يأتيني العصر في النّزل، نشرب القهوة ونتسامر إلى بداية اللّيل.
وصلت إلى فندق The Natures Nuwaraeliya، يقع في منطقة Hospital road Nuwaraeliya، والفندق عبارة عن بيت فيه أربع غرف بالأسفل مع مطعم مفتوح بالأعلى، وفي أعلاه فضاء مفتوح على الطّريقة الأوروبيّة. كما أسلفت أنّ الفندق ملك شخصيّ لعائلة بوذيّة أصلها من مدينة “كاندي”، بيد لهم بيت حوّلوه إلى نزل صغير في “نوراليا”، وكان من يعمل فيه ابنهم ذو التّاسعة عشر من عمره، مع خادمه والّذي في الأربعين من عُمره، وكانوا في قمّة الكرم والسّماحة والبشاشة، فسألته أين باقي أسرته؟ قال لي: والدتي تعمل ممرضة في كاندي ومعها أخي الأصغر، وأبي يعمل مهندسا في مسقط في عُمان، وحاليا هو في مسقط.

المنطقة يظهر فيها بساطة النّاس ولطافتهم، والّذي أزعجني فيها الكلاب، وهي لا تؤذي، لكنني أعاني من رهاب منها، وكان العامل يتلطف بالخروج معي لمّا أذهب إلى المسجد القريب حتّى أعتدت على الوضع، وأصبح مألوفا لدي. كما عانيت من استخدام النّارجيل بكثرة في الأكل، وطبخهم صحي، ويستخدمون فيه الخضار، ويزرعونها في البيت، وأحيانا يصنعون سوب الخضروات، يقطفونها مباشرة دون الحاجة إلى ثلاجة لحفظها، وكان لذيذا صحيّا لولا النّارجيل، فتمنيت لو أنّي أحضرت بهارات عمانيّة، وطبخت بنفسي، أو طلبت منهم الطّبخ باستخدامها، حيث في هذه المنطقة لا توجد مطاعم عدا مقاهي الشّوارع، وعادة أتجنبها في السّفر.
ويوجد قريبا من نوراليا من جهة الشّمال معبد معبد شري بهاكتا هانومان Shri Bhakta Hanuman Temple، وهو من المعابد الهندوسيّة المقدّسة تأريخيّا، وله علاقة بالملحمة الهندوسيّة التّأريخيّة المسماة ملحمة الرّامايانا، وتتكون من أربعة وعشرين ألف بيت باللّغة السّنسكريتيّة، وتدور حول مولد راما، ثمّ زواجه من سيتا ابنة الملك جاناكا، وبسبب مؤامرة بسبب مؤامرة كايكيي يُنفى راما إلى الغابة، ومعه زوجته سيتا وأخوه لاكشمانا، يقوم حاكم جزيرة لانكا – أي سيرلانكا – الملك رافانا بخطف سيتا، هنا يتحالف راما مع هانومان رئيس جيش القرود ليواجه رافانا، فيقتل الأخير ويستعيد سيتا إلى راما، ليتوج راما ملكا على أيوديا في شمال الهند حاليا.

قداسة معبد معبد شري بهاكتا هانومان – حسب المعتقد الهندوسيّ – تعود إلى أنّ الإله هانومان بحث عن سيتا في هذه الجبال الّتي فيها المعبد، لهذا تجد مجسمه على صورة قرد، وهو رمز للوفاء والشّجاعة والولاء للإله راما. ويوجد قرب نوراليا أيضا معبد سيتا أمان Seetha Amman Temple، يعتقدون أنّ سيتا حجزت في هذا المكان، واغتسلت من الماء الجاري فيه.
وجدت في المعبد الأول لوحات تشير إلى ملخص الملحمة، كما وجدتهم يبيعون كتيّبا صغيرا بالتّاميليّة عنوانه: “هانومان تشاليسا” أي الإله البطل، ومتنه فيه توسل بالإله هانومان، ومن نصوصه مثلا: “يا جاي هانومان، بحر المعرفة والفضائل، فلتكن قائد القرود، فلتستيقظ العوالم الثّلاثة وتستنير، لتكن منتصرا. جاي هانومان، بحر المعرفة والفضائل، هو زعيم القرود، النّصر حليفك، يا من تُوقظ العوالم الثّلاثة وتجعلها واعية. أنت رسول راما، تملك قوّة لا حدود لها، أنت ابن أنجانا، أنت معروف أيضا بابن فايو. أنت قوي البنية. محارب ذو قوّة لا مثيل لها. أنت من يطرد الأفكار الشّريرة. أنت صديق الأفكار. يا ابن فايو! أنحني لك، هبني المعرفة والقوّة والحكمة الحقيقيّة، نجّني من كلّ مشقّة”.
وفي ذيل الكتاب تعقيبات أهمها تعقيبات سري راماكريشنا (ت: 1886م)، وهو من أبرز المعلّمين الهندوس البنغال في القرن التّاسع عشر، وله كتاب شهير “إنجيل سري راماكريشنا”، يعتبر من أهم الكتب الرّوحيّة الهندوسيّة المعاصرة، وارتبط بحركة راما كريشنا، والّتي تعود بداية إلى معبد كالي في البنغال، ثمّ أصبح مركزها في مدينة كولكاتا Kolkata في شرق الهند، حيث ارتبطت أيضا بسوامي فيفيكاناندا Swami Vivekananda (ت: 1902)، وهو تلميذ سري راماكريشنا، ومع صغر سنه الّذي لم يصل الأربعين إلّا أنّه استطاع نشر أفكار أستاذه الإصلاحيّة والتّجديديّة في العالم، والّتي تقوم على وحدة الأديان، وتعدّديّة الطّقوس، وهي طريق واحد للوصول إلى الإله، والغاية هو الاهتمام الرّوحيّ، والإصلاح الاجتماعيّ، والقيم الإنسانيّة الواحدة، حيث أصبح هذا المذهب الإصلاحيّ منتشرا في سيرلانكا ونيبال وبنجلاديش والهند والعديد من الدّول الأوروبيّة وأمريكا، وقد زرت إحدى معابدهم في شيكاغو في أمريكا، وكتبت شيئا عنهم في كتابي “التّعارف”.
من تعقيبات سري راماكريشنا المضافة إلى ذيل الكتاب مثلا: “كلّ ما تُعطيه لله سيعود إليك أضعافا مضاعفة. لذا، لا تُقدّم إلا الخير لله”. “ينبغي للإنسان أن يعيش في هذه الدّنيا كأوراق اللّوتس. فرغم وجودها في الماء، إلّا أنّها لا تُبلل بالماء. وبالمثل، ينبغي للإنسان أن يعيش في هذه الدّنيا بلا أيّ تعلّق، في العالم الماديّ، وفي الرّوح مع الإله”. “لا تقترب الأرواح الشّريرة من المكان الّذي يُنشد فيه نداء الرّب”.

ثمّ ذهبنا إلى المكتبة العامّة في نوراليا Nuwara Eliya Public Library، وتقع في وسط المدينة، وهندستها بريطانيّة، ويقال إنّ عمرها يعود إلى أربعينات القرن العشرين، واليوم تعتبر من المؤسّسات الثّقافيّة والسّياحيّة المهمّة في المدينة، وفيها مئات الكتب بالسّنهاليّة والتّاميليّة والإنجليزيّة، وقسم للأطفال والقراءة والبحث الالكترونيّ والإدارة، جلست أتأملها برهة من الزّمن، وكلّما تأملت مثل هذه المكتبات يصيبني شيء من الأسى، حيث كم من المعارف الإنسانيّة الّتي تستبطنها الكتب نجهل الكثير من مخزوناتها العلميّة والمعرفيّة. وهناك حواجز عديدة لا تساعدنا، حاجز اللّغة وقصر عمر الفرد وطاقته الصّحيّة والماديّة، وعدم اهتمام مؤسّساتنا العلميّة ودولنا عموما بالعديد من المعارف الأخرى، وتقريبها إلى النّاس، ترجمة وبحثا، لما تملكه من قدرات ماليّة وإداريّة لا يملكها الباحث الفرد المعتمد على قدراته البسيطة، والحمد لله على كلّ حال.

وفي نوراليا وعموم سيرلانكا توجد المئات من المعابد البوذيّة التّيرافاديّة، وتتميّز بشكلها المخروطيّ الأبيض، وفي داخلها تمثال بوذا بردائه البرتغاليّ. ومن هذه المعابد البوذيّة الّتي زرتها معبد الجبل الذّهبيّ الكبير Swarnagiri Maha Viharaya، ويحوي تماثيل عديدة، وفي داخله تمثال كبير لبوذا مستلقيّا على جنبه الأيمن، وهو رمزيّة للتّحرّر والوصول إلى النّيرفانا، وفي الجدران صور كثيرة لآلهة متعدّدة، وكائنات علويّة وسفليّة. سألت صاحبي: هل تؤمنون بوجود آلهة، قال: نعم، لكنّها أقل من بوذا؛ لأنّها لم تصل إلى درجة النّيرفانا، أي التّحرّر الكامل، وهنا رأيت مجموعة من الرّهبان بردائهم البرتغاليّ المختلف عن الرّداء الأصفر الّذي رأيت غالب أهل رهبان تايلند يلبسونه، كما يغلب الرّداء الأصفر على الرّهبان الهندوس، رأيت هؤلاء الرّهبان مع كلابهم الكبيرة والمخيفة، وهي متعايشة معهم. وفي المعبد غرف لإقامة الرّهبان، وحدث بيني وبينهم شيء من الحديث الجانبيّ المتعلّق بالدّيانة البوذيّة.

كذلك زرت مزارع ومصانع الشّاي في نوراليا، وشرحوا لي كيفيّة إعداد وتنقية وصناعة الشّاي، وهناك يباع بأنواع مختلفة، ويوجد مقهى كبير مليء بالسّياح الأجانب، ويمكنك أن تجرّب الشّاي قبل شراءه، لتختار ما يروق لك. اشتريت مجموعة متنوعة مع بعض الأكواب لأجل الهدايا؛ لأنّي في الجملة لا أشرب الشّاي، فقط القهوة، وكنت مدمنا عليه سابقا، فتوقفت عن شربه لأسباب صحيّة.

التّركيبة السّكانيّة الّذين يصلون إلى سبعمائة ألف نسمة في مقاطعة نوراليا تختلف عن جملة عموم سيرلانكا، ففي المقاطعة عرق التّاميل هو الغالب عن العرق السّنهاليّ، لهذا الغالبيّة في نوراليا هندوس ثمّ أقلّ منهم البوذيّون، ويوجد أقليّة من التّاميل مسلمون ومسيحيّون، وغالب المسلمين من المور الّذين نزحوا كتجّار من أماكن مختلفة ومنهم من أصول عربيّة، كالعمانيّين والحضارمة في اليمن، وتزوجوا في سيرلانكا واستقرّوا فيها، وتعايشوا مع التّاميل، وأصبحوا يتحدّثون لغتهم، وقد أطلق عليهم البرتغاليّون المور كما أطلقوه على المسلمين في الأندلس.
والمور في الجملة مسلمون، ويغلب عليهم المذهب الشّافعيّ، ونسبة المسلمين عموما في المقاطعة تزيد عن ثلاثة بالمائة. وفي نوراليا يوجد المسجد الكبير، وقيل يعود إلى ثلاثينات القرن العشرين. ويوجد في قرية قرية هاولايا مسجد يطلقون عليه مسجد جمعة Hawa Eliya Jumma Masjid، حضرت فيه مجموعة من الصّلوات، ووجدت فيه جماعة التّبليغ، وأشرت إلى ذلك سابقا.

يوم الجمعة 6 يونيو 2025م كان عيد الأضحى في عُمان ومكّة وغالب العالم الإسلاميّ، بيد أنّه صادف يوم عرفة في سيرلانكا وعموم القارّة الهنديّة. في هذا اليوم حضرت صلاة الجمعة مبكّرا، ووجدت جماعة التّبليغ يعملون بيانا بلغتهم. ثمّ امتلأ المسجد، وتقدّم الخطيب وخطب خطبتين بالتّاميليّة، مفتتحا بالعربيّة، وخاتما بها أيضا، وغالب خطبته عن عرفة والأضحية وأدبيات العيد عموما، فقهت هذا من خلال الآيات والأحاديث الّتي يوردها، وبعض المصطلحات العربيّة كالقربان.

تصورت أنّ صلاة العيد تكون بعد الفجر، لكنني أدركت أنّهم يصلونها مرتين، مرة بدون خطبة بعد شروق الشّمس لمن يقوم بالذّبح نيابة عن النّاس، وثانية عامّة مع الخطبة عند العاشرة صباحا؛ ليتمكن الجميع من حضورها، صغارا وكبارا، رجالا ونساء. للأسف حجز لي صاحب النّزل تذكرة القطار عند الحادية عشرة سلفا، حيث كنت متصورا أنّ الصّلاة في مفتتح الصّباح، ومع هذا صلّيت معهم الفجر ثمّ العيد، وكان صفا ونصف الصّف، ومنهم شباب في مقتبل العمر. وهم كعادة الشّافعيّة يصلّونها بركعتين باثنتي عشرة تكبيرة، سبع بعد دعاء الاستفتاح، وخمس بعد تكبيرة القيام من الرّكعة الثّانية، وبعد الصّلاة دعاء خفيف. وأنا ذاهب إلى محطّة القطار شاهدت المسجد ممتلأ حتّى الخارج، وكنت تمنيت المشاركة، ومع هذا للأسف تأخر موعد القطار إلى قرب الواحدة، بيد أنّه أخذني حديث طويل مع سريلانكيّ يعمل في أستراليا منذ أكثر من أربعين عاما، ويحمل جنسيّتها، وكان في إجازة مع عائلته، حيث أصوله من نوراليا.
تعجبت في المنطقة القديمة الّتي سكنت فيها عدم وجود أطفال يلعبون ويصرخون كعادة المناطق الّتي أسكنها في الهند وحتّى شرق أفريقيا على كثرتهم. أخبرني صاحب النّزل أنّ هنا أعدّت حدائق خاصّة للعب الأطفال بدل الشّوارع. كما في سيرلانكا إجازة يوم في الشّهر، أي في كلّ يوم يكتمل فيه القمر، ويضاف أحيانا إلى يوم الإجازة الأسبوعيّة أو لمناسبة دينيّة أو وطنيّة أخرى؛ ليكون أكثر من يوم. وفيه يتفرغون لإقامة الطّقوس والتّأمل وزيارة المعابد، ويمنعون فيه عادة من تناول الكحول، ويسمونه يوم البويا poya day، وبويا بالسّنهالي يعني البدر أي اكتمال القمر. واعتبار هذا اليوم مقدّسا حيث فيه ولد وتوفي سيدهارتا (البوذا)، وفيه وصل إلى الاستنارة والتّحرّر. وأمّا عملتهم فهي الرّوبيّة، والرّيال العمانيّ يساوي تقريبا ثمانمائة روبيّة، وألف روبيّة تساوي تقريبا ريال وثلاثمائة بيسة، وأنا أعتبر الألف تساوي ريالا، والخمسمائة تساوي نصف ريال، فالحياة لديهم في الجملة رخيصة عدا الفنادق فأسعارها تقترب مع أسعار الفنادق عندنا. كما لم أرَ متسولين في نوراليا عكس كولومبو، وأحيانا يطلبون الرّيال العمانيّ.
كان رجوعي إلى كولومبو مرة أخرى يوم السّبت 7 يونيو، ومع تأخر موعد القطار – كما أسلفت – إلّا أنّ القطار كان بطيئا، فأخذت لما يقارب ثمان ساعات، وهنا رأيت أيضا النّاس في عوالمهم، ورأيت الزّروع والشّلالات والأنهار، كما شاهدت الفيل في إحدى القرى الّتي مررت عليها. وصلت إلى محطّة محطّة كولومبو فورت Fort Railway station؛ وكانت مزدحمة بالسّكان والسّائحين، وقد حجزت عن طريق البوكينج فندق مارادها كولومبو MaRadha Colombo، وطلبت منهم توفير سيارة لي، فكان شاب سريلانكي لطيف جدّا ينتظرني خارج المحطّة.
اخترت هذا الفندق والّذي يقع على شاطئ بامبالابيتيا Bambalapitiya Beach، ضمن المحيط الهنديّ، لأتأمل شيئا من هذا المحيط الجار لنا، وربطتنا به علاقات موغلة في القدم، ولأمارس المشي في ساحله الممتد والمنسق بشكل بديع. وبعد أيام من العمل والبحث حقّ للجسم والعقل أن يكون لهما نصيبهما من الرّياضة البدنيّة، والتّأمل العقليّ، فهناك أفكار تزاحم الإنسان ويجد في المشي مناخا لتفريغها ومناقشتها مع ذاته. وكانت عودتي فجر الاثنين 14 ذو الحجّة 1446هـ/ 9 يونيو 2025م بعد أيام معرفيّة جميلة من أيام حياتي القصيرة، وقد حقّقت شيئا ممّا أصبو إليه من مشروع الكتاب.
[1] الزّدجاليّة: شيماء بنت محمّد، مظاهر النّشاط التّجاريّ في عُمان من خلال كتاب الضّياء للعوتبيّ؛ ط تمّوز تيموري، سوريا – دمشق، الطّبعة الأولى، 2024م، ص: 133 – 134.
