بين دائرتي الخلاف دائرة مشتركة، والدائرة المشتركة هي التي ينبغي أن يتمسك بها الطرفان وينطلقان منها، وإلا سيدوران في حلقة فارغة، يصبح كلُّ محاور يتعصب لرأيه ويحاول الدفاع عنه بشتى السبل.
والدائرة المشتركة في المعراج – في نظري – دورانه بين النص التأريخي والحدّ الغيبي، فهو يدور بين كونه رواية تأريخية لها أبعاد غيبية.
أما الرواية التأريخية فهذه العديد منها عن كعب الأحبار [ت 32هـ]، ومعراج ابن عباس [ت 68هـ]، والعديد منها منقطع أصلا، ولها أشباه بما ورد عن أهل الكتاب، وهي عموما بحاجة إلى بحث وتتبع، وهي في جملتها تشكل روايات الآحاد التي لا تلزم علما ولا يقينا.
هذه الدائرة المشتركة تعطينا منطلقا للحوار، وينبغي دائما أن ننطلق منها لا من الخلاف.
والمعراج في المفهوم التراثي قرين الإسراء، والله سبحانه وتعالى أشار إلى الإسراء كحدث مطلق في القرآن في افتتاحية سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[1]، هذا بغض النظر عن التفسير التأريخي في الأدبيات الروائية والتراثية عند المسلمين.
أما المعراج بهذا اللفظ بعيدا عن مشتقاته لم يذكر في القرآن الكريم، كذلك ما يتعلق به من أخبار على أنه ذات المعراج في الأدبيات التراثية لم يذكر رأسا في القرآن.
ولا أحد يستطيع أن يقطع أنّ ما ذكر في سورة النجم هو ذات المعراج في الأدبيات الروائية والتراثية، خلا من قال بذلك حيث اعتبر أنّ الذكر من قبيل الإشارة، وعليه سيبقى الأمر في دائرة الظن لا القطع.
ونحن لو تأملنا سورة النجم بعيدا عن المفرزات الأدبية والروائية ندرك عدم العلاقة بين سورة النجم والمعراج من خلال هذه المقدّمات:
المقدمة الأولى: في قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[2]، وأصل الحديث في السورة عن القرآن، فالمشركون ينكرون أنّ القرآن من الله تعالىى، بينما الله يقسم بالنجم أنّ القرآن حق، وما نطق به صاحبهم – أيّ محمدا – حق، وليس من الهوى أي من كلام البشر، بل {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} أي القرآن وحي ليس هوى يوحى إلى صاحبكم أي محمد – صلى الله عليه وسلم -، وعليه سنجد تحوير آخر آيه (وحي) من القرآن إلى محمد، وهذا يبعد عن الهدف الأساسي من السورة، والتي تدور حوله وهو القرآن، وكلام الله لا يوجد فيه أدنى اضطراب، يقول المفسر أبو جعفر الطبري [ت 310هـ] في تفسيره الكبير: “يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}، يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل”[3].
المقدمة الثانية: في قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[4]، يقرر إذا كان القرآن حق، فكيف وصل إلى النّبيّ؟، هذا التساؤل سيدور في مخيلة الناس حينها،فيجيب {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى}، فذكر صفاته ومكانه، {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}، فالملاك كان في الأعلى، ثم نزل قريبا من النبي، لغاية: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}، وهذا يفسر: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فالحديث عن القرآن، وأنّ جبريل[5] في الأعلى ثم نزل، فأوحى إلى محمد القرآن.
المقدمة الثالثة: في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}[6]،هنا يبين أنه {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى}،حيث رأي الملاك، وهو حق، وما أوحي إليه حق،ومع ذلك ظلوا يشككون: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى؟}، فيؤكد القرآن الرؤية الأخرى للملاك: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، فالآيات تتحدث عن دنو ونزول، وليس عن علو وصعود [ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى = وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى]، أي كان في الأعلى فنزل لا العكس، فلم يقل رآه صعدة أخرى.
فأين كانت هذه النزلة: عند السدرة، والخطاب للمشركين، إذا هم يعرفون المكان، والله يخاطبهم بذات موقع الحدث … {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}، وجنة الآخرة لم تخلق بعد، والله يثبت لهم مكان الرؤيا في موقع يعرفونه، والمأوى بمعنى المكان الذي يأوي إليه الإنسان كقوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}[7]، “وقرأ عليّ [ت 40هـ] وأبو هريرة [ت 59هـ] وأنس [ت 93هـ] وأبو سبرة الجهنيّ [ت؟] وعبد الله بن الزبير [ت 73هـ] ومجاهد [ت 104هـ] {عندها جنة المأوى} أي جنة المبيت … أي مبيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فيها”[8].
ماذا رأى هناك محمد – صلّى الله عليه وسلّم -؟ رأى الملاك، وهو من آيات الله الكبرى، كما وصفه بأنّه {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى}، يقول القرطبي: “{لقد رأى من آيات ربه الكبرى}: قال ابن عباس: رأى رفرفا سد الأفق، … وعنه قال: رأى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -جبريل عليه السلام في حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السّماء والأرض، …. وكذا في صحيح مسلم قال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح”[9]، وجاء في التيسير لقطب الأئمة [ت 1914م]: “عن ابن مسعود [ت 32هـ]: الكبرى واحدة هي رؤية جبريل على صورته”[10]، وهذا للتعظيم والتفخيم كما يفهم من كلام أطفيش، وهو عين ما ذكرنا، فكيف لا يمكن أن تكون الآيات هنا بمعنى الملاك، مع أن الحديث ملتصق به أصلا.
وقد يسأل سائل: كيف عرفنا أنّ السدرة المذكورة معروفة لدى المشركين؟ لو لاحظنا وتأملنا السورة بكاملها، من يخاطب الله؟ أليس المشركين؟ ثم لنتأمل الأسلوب؟ أسلوب حواري من قبل الله لإثبات وحي القرآن.
ننظر مثلا:
– {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ}[11].
– {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى}[12].
– {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ}[13].
الله يخبر المشركين عن رؤية محمد للملاك وهو نازل مرتين، الثانية عند سدرة المنتهى، فإن قلت هي عند الجنة يلزم ثلاثة أمور: الأول وجود الجنة، والثاني: علم المشركين لبعض صفاتها ومنها أن فيها سدرة، والثالث: أنها في الأسفل لأن الله قال نزلة قرين قوله: ثم دنا فتدلى.
وأنت لو تأملت حسب البيئة الطبيعية في الجزيرة العربية ترى شجر السدر تنتشر عند الجنان أو البساتين، وتكون غالبا على الجوانب، فهذه الصورة يقربها الله، ويدركها المشركون تماما، ولو كانت في الجنة لحدث إشكال كبير ضد لفظة نزلة، وكذلك لأن الأرض ستبدل والسماء بنص القرآن، فهل يعني ستزول هذه الجنة ثم تخلق من جديد أم ماذا؟
ثم إن الله يذكر صورتين لنزول الملاك وكلاهما متشابه كما أسلفنا؛ لأن الأول في سماء الأرض بالاتفاق، والثاني أولى لأن نزلة أقرب إلى النزول من دنا.
وجعلت نزلة للمرة، إلا أنّ والكلمة واضحة، فقد يستخدم للمرة نزلَة بفتح اللام، وقد يستخدم نزلِة للهيئة، ولكن المعنى واحد وهو النزول، ففي الحالة الأولى: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}، وفي الحالة الثانية: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى}، إذا الحديث عن حالة ثانية للرؤية، ومن المنطقي أن يستخدم اسم المرة لا الهيئة، ولذلك استخدم بعدها لفظة (أخرى)، كما أنّ ستخدام نزلة لأنّها تفيد النزول، وهي نحو لفظة دنا، يقول أطفيش في التيسير: “… ولم يقل – أي الله – مرة أخرى؛ مع أن المعنى كذلك، ليبين أنّ هذه الرؤية الأخرى بالنزول والدنو مثل الأولى، لا مجرد رؤية، ولو من بعيد، أو بلا نزول، والمرة الأخرى ولو كان لها إشعار بذلك ومناسبة لكن النزلة الأخرى أدل … إلى قوله: وأولى من هذا أنه مفعول مطلق لحال محذوفة أي لقد رآه نازلا نزلة أخرى”[14]، فالشيخ اطفيش يرى العبارة الثانية أقوى في النزول والقرب.
المقدمة الرابعة: يعود القرآن للحديث مرة أخرى في آخر السورة بالإشارة إلى القرآن: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا}[15].فالحديث في السورة عن القرآن، وليس عن شيء آخر.
النتيجة للمقدمات الأربع: لا نجد ذكر المعراج ولو من سبيل الإشارة،فالآيات لو تأملناها بعيدا عن أفكارنا المسبقة سنجدها شديدة الوضوح والبيان، سهلة العبارة،
المعراج والتفسيق: يقول الشّيخ ناصر بن أبي نبهان [ت 1262هـ/ 1846م] في التّمهيد: “فعلى هذا فلا يلزم اعتقاد كون وقوعه أنه واقع، ولا أنه غير واقع، ومن صوّر له عقله أنّه واقع فقال: إنه صحيح، فجائز له ما لم يدن بذلك، وما لم يخط أحداً قال بخلافه، ومن دان بذلك، أو فسّق من قال بخلافه فلا شك أنه هالك آثم ظالم فاسق، وكذلك من رأى في عقله أنه غير صحيح فقال إنه يراه في نفسه غير صحيح، فجائز له ما لم يدن بذلك أو يخطئ من قال بخلافه …”[16]، وقال أيضا: “وجهل علم وقوع المعراج مما يسع، فليس هو من العقائد الدينية”[17].
ويظهر من كلامه أنّ تفسيق منكر المعراج معناه أن المعراج من العقائد، وهذا مما لم يرد فيه دليل قطعي، فبقي في دائرة الظّنّ والرّأي، وهو لا يترتب عليه تكفير ولا تفسيق، فالمعراج في أصله كما يرى ابن نبهان “وأما معراجه بجسده وروحه معاً إلى السماء أو إلى ما هو أعلى فلم يأت صريح التنزيل بذلك، ولا قامت الحجة بصحيح السنة، ولا يصح فيه الإجماع الذي لا يجوز خلافه”[18]، “وأن جميع ما ذكروه فيه من رؤيته في السماوات الأنبياء، وذكر تخفيف الصلوات، وتردده على الله تعالى – غير صحيح، والله تعالى أسرى بجسده وروحه، من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى، وأنزل في كرامته له هذه تنزيلاً في ذكرها؛ لنؤمن بها فيه. فكيف لا يذكر الباري تعريجه من الأرض إلى السماوات، أو إلى أعلى من السماوات في تنزيله؟ ولو كان صحيحاً لأنزل ذكر ذلك الباري في تنزيله”[19].
على أنّه لو أثبتنا المعراج لحدثت إشكالات عقلية كبيرة، كقضية السماوات على أي أساس حدث التقسيم، فالتقسيم العلمي الآن يخالف ما في الأثر، وكذا وجود الجنة والعرش وغيرها، وعليه المعراج تداخلت فيها الثقافات والمرويات بين الملل والأديان والمدارس، واختلط فيه العديد من الأساطير.
فيسبوك 1435هـ/ 2014م
[1] الإسراء/ 1.
[2] النّجم/ 1-4.
[3] الطّبريّ: ابن جرير؛ جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تصحيح: خليل الميس، ط دار الفكر، لبنان – بيروت، ط 1420هـ/ 1999م، ج: 27، ص: 56.
[4] النّجم/ 5 – 10.
[5] ذكرت جبريل كناية عن الملاك حسب المشهور، لا من باب التّخصيص القطعيّ.
[6] النّجم/ 11 – 18.
[7] الكهف/ 10.
[8] القرطبيّ: أبو عبد الله محمّد بن أحمد؛ تفسير القرطبيّ، تحقيق: سالم مصطفى البدريّ، ط دار الكتب العلميّة، لبنان – بيروت، الطّبعة الثّالثة، 2010م، م: 9، ج: 17، ص: 64.
[9] المصدر نفسه، م: 9، ج: 17، ص: 65. بتصرف بسيط.
[10] أطفيش: محمّد بن يوسف؛ تيسير التّفسير للقرآن الكريم، ط وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، عمان – مسقط، ط 1407هـ/ 1987م، ج: 12، ص: 536.
[11] النّجم/ 2.
[12] النّجم/ 19.
[13] النّجم/ 59.
[14] أطفيش: محمّد بن يوسف؛ تيسير التّفسير للقرآن الكريم، مرجع سابق، ج: 12، ص: 532.
[15] النّجم/ 59 – 62.
[16] الخليليّ: سعيد بن خلفان؛ تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، تحقيق: حارث بن محمّد بن شامس البطاشيّ، ط مكتبة الشّيخ محمّد بن شامس البطاشيّ، عمان – مسقط، الطّبعة الأولى، 1431هـ/ 2010م، ج: 1، ص: 300 – 301.
[17] المرجع نفسه، ج: 1، ص: 302.
[18] المرجع نفسه، ج: 1، ص: 300.
[19] المرجع نفسه، ج:1، ص: 301 – 302.