صحيفة شؤؤون عمانيّة 1444هـ/ 2023م
عُمان من الدّول الفتيّة، ونسبة الشّباب فيها مرتفعة، وهذه حالة صحيّة، إذا أحسن استثمارها، فرقي البلدان مرهون بمقدار استثمارها لقيمة الإنسان، ليس بمعنى التّسليع، وإنّما بمعنى تحقّق الكرامة الإنسانيّة تحت مظلّة المساواة في المواطنة بين الجميع.
وإشراك الشّباب في الرّؤى والقرارات والخطط ليس حالة صحيّة فحسب؛ بل حالة ضروريّة، كان شراكا حواريّا، أم في اتّخاذ القرارات، أم في فتح أكبر قدر من الحريّات لأخذ آرائهم، وتقديم مواهبهم وإبداعهم.
وعُمان اليوم، وهي على خطى رؤية عُمان 2040؛ لاشك أننا أمام أمل يُزرع اليوم ليحصد غدا، وأمام واقع متغيّر اليوم، هذا الواقع يحمل في طيّاته إشكالات وصعوبات، على مستوى العالم نتيجة الصّراع الشّرقيّ الغربيّ المتمثل في الحرب الأوكرانيّة، وعلى تداعياته السّياسيّة والاقتصاديّة، ونتيحة لآثار جائحة كورونا والّتي ألقت بثقلها على العالم أجمع، فأغلقت صناعات، وتعثرت متاجر وشركات، فارتفع عدد البطالة والمسرحين والباحثين عن عمل، وتأثرت لذلك أسر ومجتمعات.
هذا التّأثير العالميّ نجد أثره محليّا واقعا، حيث أكبر نسبة متضرّرة هي فئة الشّباب، لهذا يعقدون الآمال لرؤية عُمان 2040، مع سلبيّة أفرزها الواقع، ولتجارب سابقة فشلت في تحقيق مرادها، أعطتهم شيئا من التّذمر واليأس، وهي حالة طبيعيّة؛ لأنّ الإنسان بشهواته وحاجاته ينظر إلى حاله الآنيّ لتحقيق كرامته الإنسانيّة في ضوء المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.
لهذا إنّ الالتفاتة الكريمة من صاحب السُّموّ السّيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزيرُ الثّقافة والرّياضة والشّباب إلى فئة الشّباب من خلال ملتقى (معًا نتقدّم)، والّذي تنظمه الأمانة العامّة لمجلس الوزراء اليوم الأحد في مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض؛ هي التّفاتة كريمة ومهمّة في الوقت ذاته، تقترب من الشّباب من جهة، وتسمع منهم عن قرب، وتقللّ من حالة السّلبيّة الّتي أفرزها الواقع، والّتي نرى صورها في وسائل التّواصل والمجالس وغيرها.
ثمّ إنّ المتأمل في برنامج الملتقى يجد التّركيز على رؤية 2040، ثمّ المال، والعمل، وهذا ما يحتاحه الشّباب اليوم، فهم بحاجة إلى إدراك ما الّذي ستقدّمه رؤية عُمان 2040 للوطن أولا، وللشّباب ثانيا، وما الخطوات العمليّة في ذلك، وما النّتائج المؤمل تحقّقها، ليعقبها تساؤلات الشّباب حولها، حتى لا تكون دولة بين أصحاب القرار وحدهم، بل يدرك مراميها الجميع، ويشركون في تحقّقها، ولأنّ هذه الرّؤية شموليّة، ذات لباس جديد لعمان في نهضتها الجديدة، لهذا من الحكمة الحوار مع الشّباب حولها، فهم عمودها، وبهم يتحقّق مرادها بعونه تعالى، فمن كان عمره اليوم في العشرين، سيكون عمره في 2040 في الأربعين أو اقترب منه، لهذا إعداد هذه الفئة والاهتمام بها اليوم، وإشراكها حواريّا وإداريّا، وتحقّق كرامتها تعليما ووعيا وماديّا هو المرجو حاليا.
وأمّا التّركيز على المال والعمل من خلال محوري الاستدامة الماليّة، والّذي يقدّمه معالي أمين عام وزارة الماليّة، ومحور العمل الّذي يقدّمه معالي وزير العمل، حالة ضروريّة أيضا؛ لأنّ أهم ما يتسائل عنه الشّباب اليوم، ويبحثون للإجابة عنه هو المال والعمل، وهي حالة فطريّة طبيعيّة، قبل أن تكون حالة ضروريّة أو حاجيّة، فالشّاب كإنسان بشكل طبيعيّ له شهوات يريد إروائها وتحقّقها، ليحقّق كرامة ذاته، ثمّ يكوّن أسرة، وبذاته ثمّ بأسرته يخدم مجتمعه كفرد منتج صالح فيه، وهذا لا يتحقّق بدون عمل يحقّق له ضرورته الماليّة، خصوصا ونحن نعيش اليوم في ضوء دولة قطريّة لها مركزيتها، وفي ضوء مواطنة لها مساواتها وعدلها، تحت ثنائيّة الحقوق والواجبات.
لهذا إن لم يكن هناك قرب من الشّباب، وكان دولة بين أصحاب القرار كما أسلفت، شيء طبيعيّ في جو كهذا أن تتسع الدّائرة الرّماديّة، وتكثر الشّائعات من هنا وهناك، والكلّ يصبح محلّلا بناء على يدركه من بيانات قد تكون في جملتها ليست صحيحة، فتتضخم دائرة السّلبيّة، وتضعف دائرة الثّقة، وهذا له تأثيره على الأمن العام، وقد يجر إلى رغبات أخرى تحوي من العنف والخروج للتّغيير، حينها يصعب العلاج، أو قد يجرّ إلى أوضاع تسوء بشكل أكبر من اليوم.
وعليه القرب من الشّباب والحوار معهم، والصّدق في بيان الواقع، وطرق علاجه، والتّحديات الّتي يحتاج الجميع إلى تجاوزها لتحقيق رؤية عُمان 2040، هذا بلا شك يختصر الطّريق، ويعطي شيئا من الأمل والاطئنانة، ويدرك الشّباب الواقع عن قرب لا عن تخمين، عن صدق لا عن دبلوماسيّة ومجاملات، فالوطن للجميع، وهو أمانة في أعناقنا جميعا، واستقراره وتقدّمه ونهضته في العهد الجديد؛ هذا ما نرجوه، ويرجوه الشّباب أيضا، ليرفعوا علمهم شامخا بحضوره نهضة وتقدّما واستقرارا.
بالأمس أعلن عن رؤية عُمان 2040، واليوم مرت سنوات لذلك، وستمر سنوات أخرى، وكلّ سنة تمر تزداد الأسئلة يوما بعد يوم، فهناك طموحات كبرى يرجو تحقّقها الجيل الجديد، وهناك واقعيّة يدركها أصحاب القرار، فوجود مثل هذه اللّقاءات يزاوج بين الطّموحات والواقعيّة، فيجعل هذه الرّؤية تتجه وفق سنّة التّعقل لا سنّة التّهور، وفي الوقت نفسه وفق سنّة الصّدق في العمل والرّغبة في نهضة عمان، لا في المصالح والخطابات الشّخصيّة.
على أنّ للشّباب مواهب وإبداعات مختلفة، تخلق تعدديّة في المجتمع، ولا يمكن لأيّ نهضة تبنى على رؤية زمنيّة محدّدة، طالت أم قصرت، أن تحقّق نتاجها إلا بالاستفادة من هذه التّعدديّة، مع تضييق دائرة الحساسيّة والوصاية المبالغ فيها، ورفع دائرة الإبداع والحريّة، على المستوى الفردي المواهبيّ، وعلى مستوى الاستثمار خصوصا عند الشّركات الصّغيرة والمتوسطة، ودعمها وحمايتها، وتسهيل المناخ لها، وعليه مثل هذه اللّقاءات والحوارات والملتقيات تفتح أفق ذلك، وتقرّب الصّورة للجميع.
لهذا أثمن ما قام به المعنيون في الأمانة العامّة لمجلس الوزراء من فتح نافذة هذا الملتقى، قربا من الشّباب، وسماعا منهم، بلا شك سيكون له أثره حاليا ومستقبلا، وهذا ما نرجوه لعمان، وهي تستحقّ منّا الكثير، وما ذلك عن إيجابيات رؤيتها الجديدة، ونهضتها المتجدّدة ببعيد،،،