روي عن الإمام علي بن أبي طالب قوله: لا تربوا اولادكم كما ربّاكم آباؤكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم، ونحو هذا روي عن بعض السّلف، ونسبه بعضهم أيضا إلى الإمام علي: لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم، وجاء عن سقراط ونسبت إلى أفلاطون: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
عندما نقوم بتفكيك هذه الآثار بغض النظر عن صحة نسبتها، نجدها تتكون من شطرين (جملتين) أو من نسبتين، نسبة سلبية، ونسبة إثباتية موجبة.
أمّا النسبة السلبية فتتمثل في: لا تربوا اولادكم كما ربّاكم آباؤكم؛ لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم؛ لا تكرهوا أولادكم على آثاركم.
أما النسبة الموجبة فتتمثل في: فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم.
لذا نجد اختلف الناس في قبول بعض هذه الآثار وفهمهم لها، فبعضهم ردها باعتبار الأخلاق واحدة، وآخرون قبلوها لأنهم اعتبروها في وسائل التربية لا القيم والأخلاق العليا.
وقبل الوقوف مع هذه المرويات لابد من فهم معنى التربية ومتعلقاتها والتسلسل الزمني لها.
أمّا مفهوم التربية فيعرفها بعضهم: إنشاءُ الشيءِ حالاً فحالاً إلى حَدِّ التمام، وفي معجم اللغة العربية المعاصر: ربَّى الأبُ ابنَه هذّبه ونمّى قواه الجسميّة والعقليّة والخلقيّة كي تبلغ كمالها.
ويعرّف هيربرت التربية: علم يهدف إلى تكوين الفرد من أجل ذاته، وبأن توقظ فيه ميوله الكثيرة، بينما يعرفها ميل بقوله التربية هي التي تجعل من الفرد أداة سعادة لنفسه ولغيره، وجاء في موقع ويكي الكتب تعريف التربية بأنها مجموعة العمليات التي بها يستطيع المجتمع أن ينقل معارفه وأهدافه المكتسبة ليحافظ على بقائه، وتعني في الوقت نفسه التجدد المستمر لهذا التراث وأيضا للأفراد الذين يحملونه، فهي عملية نمو وليست لها غاية إلا المزيد من النمو، إنها الحياة نفسها بنموها وتجددها.
نخلص من مفهوم التربية أنها متعلقة بالوسائل في حفظ الجيل الجديد وفق القيم المشتركة، والعادات الأخلاقية المرتبطة زمانا ومكانا بمجتمع أو عرف أو تدين ما.
ولهذا التربية تشمل جانبين، الجانب الثابت ويتمثل في القيم المشتركة والاخلاقيات النسبية والاعراف المجتمعية، أما القيم المشتركة فهي جانب ثابت مطلق لا يختلف بحال في مكان أو زمان كالصدق والعدل والأمانة والعمل والإخلاص ونحوها.
أما الأخلاقيات النسبية والأعراف المجتمعية فهي تدخل في الثابت النسبي الذي قد يتعدد لاختلاف بلد أو زمان أو مكان، كطريقة اللباس والأكل والعادات القومية ونحوها.
والجانب الثاني للتربية فهو الجانب المتغير والمختلف كالوسائل وطرق التربية، فعالمنا اليوم تعددت فيه الوسائل كالهواتف والحواسيب والألعاب الالكترونية والفضائيات والمسرح ونحوه، فالوسائل متغيرة، وهذا بلا شك سيؤثر في التربية حسب استعمال هذه الوسائل سلبا أم إيجابا.
ولهذا إذا جئنا إلى الجانب الزمني سيختلف كما أقامها سقراط أو أفلاطون أو الإمام علي التباعد الزمني، وإذا كان هذا في زمنهم ويتمثل في التطور البطيء لبطء تطور الوسائل، وقلة التداخل المعرفي، فكيف بزمننا نحن اليوم!!!
وعليه ندرك أنّ هذه الآثار تتوافق مع تطور سنن الاجتماع بما فيها جانب التربية، وذكرت الآثار لفظة الأخلاق لنسبيتها، لأنها من السجايا، والسجايا كما أنها نسبية هي في الوقت ذاته متغيرة ومتطورة.
ولنأت الآن إلى زماننا اليوم، وأركز على المجتمع العربي والإسلامي ثم أتدرج إلى المجتمع العماني.
أمّا غالب المجتمع العربي والإسلامي فقد تأثر في نهاية القرن التاسع عشر بشيئين الأول: ظهور الصحافة، والثاني انتشار المطابع وسهولة الحصول على الكتب، وهذا بدوره أثر في ظهور فنون جديدة تؤثر في الجانب التربوي، كالكتب الروائية والقصصية ومجلات الأطفال، بجانب ترجمة المعارف الأخرى، والتي تحمل تجارب تربوية قد تغاير الذي عليه في الشرق.
كذلك ظهر المسرح والفنون الغنائية، وظهر ما يسمى بالنجومية في الجانب الترفيهي والغنائي بجانب الجانب الرياضي، وأصبح ينافس النجومية الدينية والسياسية والمنصبية والمالية، مما جعلهم المتأثِر بهم قدوة يقتدون بهم حتى في أشكالهم وقصات شعرهم.
وزاد الأمر بظهور الفضائيات والإذاعة، وفي هذا تقول ليلي الحافي في نهاية النصف الأول من القرن العشرين: وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة.
وما قالته ليلى الحافي إنما هو نتيجة طبيعية في ظل إعلام لا زالت الحكومات تسايره، أما اليوم فقد انفتح في ظل الفضائيات التي صارت مفتوحة للجميع، مع ظهور الشبكة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وظهور اليوتيوب، وبالتالي تداخل العالم في ظل العولمة أو الكوكبة، فلم تعد التربية محصورة على الأب أو المعلم أو الإمام، بل صارت وسائل الإعلام المفتوحة وغير الرسمية أقوى عنصر تربوي.
أما المجتمع العماني فهو وإن تأخر في التأثر حتى العقد الثالث من المنتصف الثاني من القرن العشرين، بسبب الأوضاع السياسية؛ إلا أنه اليوم أصبح كغيره منفتحا على العالم الآخر، وبالتالي من الطبيعي أن يؤثر على سلوكيات الناس وطبيعتهم.
فهذا بدوره يتطلب المراجعة في الجانب التربوي الجامع بين الثابت والمتغير، والوسائل التربوية المتاحة، وهذا وفق عنصرين البديل المساير والتهذيب.
أما البديل المساير وذلك لأجل أن نعيش عصرنا، ونعطي الجيل الجديد مساحة من الحرية وعدم القمع حتى لا ينفجر، وفي الوقت نفسه يكون التهذيب وهو العنصر الثاني، والذي يكون وفق القيم والأعراف المجتمعية.
أما الطريقة التقليدية تربية وخطابا فهي لا تجدي شيئا؛ بل هي أقرب إلى الصراخ الذي سيتجاوزه الزمن.
وعليه قبل بناء المؤسسات التربوية لابد من بناء مؤسسات استراتيجية، هذه المؤسسات تنتج في البداية عقول تربوية منفتحة تعرف كيف تتعامل مع هذا المتغير، وفي الوقت ذاته متطورة بذاتها ومسايرة لواقعها، ليسقط الأمر على الأسرة والإعلام والمدرسة والمسجد والمجتمع، ولينطلق مع عمل فردي إلى عمل مؤسسي يشترك فيه الجميع.
كذلك هذه المراكز تكون ناقدة وموجهة أيضا، وتجد الوسائل المتاحة والطرق المسايرة للعصر.
بهذا وبلا شك نستطيع أن نتعامل مع المقولة وفق عمل مؤسسي مدني، خاصة وأن المعارف والوسائل اليوم تتغير بشكل كبير من جهة، وتتضاعف بشكل يومي من جهة أخرى، كل هذا سيلقي بثقله على الجيل الجديد إن لم نتدارك مؤسسيا ومنهجيا بحثيا، لا مجرد مقالات عابرة، وبرامج خاطفة، وأعمال أو حملات ومحاضرات سريعة.
إن العملية التربوية ليست اليوم في أيدينا، بل الكرة أصبحت لصالح غيرنا، وهذا طبيعي لأن الإعلام والقوة بأيديهم، فلكي لا نكون أمة ضعيفة دائما، مستقبلة ولا تعطي، متأثرة لا تؤثر، مستهلكة ولا تنتج، علينا أن نعايش عصرنا، وفي الوقت نفسه نراجع الأدوات وننقد ذاتنا لنقدم البديل بما يوافق عصرنا اليوم.
الجيل الجديد كسابقه يعاني اليوم تحديات كبيرة، في فكره وعاداته وسلوكه، وهو بحاجة إلى من يجيب عن إشكالاته، ويعالج مشاكله عقليا ومنطقيا، ويتقرب منه مجتمعيا، وهذا بلا شك بداية في العلاج التربوي وفق زماننا.
جريدة عمان 1436هـ/ 2017م