ولدنا ونشأنا في مصر وإن لم نرها يوما، وصدق من قال: مصر أمّ الدّنيا، فمنذ بداية الطّفولة وحتى الثّانويّة وبعدها غالب من درسنا كانوا من مصر، ونسبة كبيرة من التّلفاز ومسلسلاته وأغانيه كانت لمصريين، وأكثر الكتب الّتي كانت تتناقل بين الشّباب حينها ويستهويها الجميع كانت من مصر!!!
لقد نشأنا مع كتب القرضاويّ والغزالي وفرج فودة والشّعراويّ ومصطفى محمود وأنور الجنديّ وكتبيات محاضرات كشك وجاد الحق وجمال البنا وأبي زهرة وعمارة وطه حسين وشلتوت وخالد محمد خالد وسيد قطب ومحمد قطب وزينب الغزاليّ والعقاد ومصطفى المراغيّ وعلي عبد الرّازق وقاسم أمين وسلامة موسى ومحمد عبده والطّهطاوي وغيرهم كثير جدا.
لقد استمتعنا منذ الصّغر بترجمات المنفلوطيّ وروايات الحكيم ونجيب محفوظ وعبقريات العقاد ومقالات الرّفاعيّ وشعر شوقي وحافظ والرّفاعيّ ومقدمات الزّيات!!
وكانت أصوات عبد الباسط والحصريّ والمنشاويّ حاضرة في كلّ روح، وابتهالات النّقشبنديّ لا زالت في الأذهان!!
بينما كانت ألحان سيد درويش والموجيّ ومحمد عبد الوهاب وسيد مكاويّ وبليغ حمديّ وغيرها تسود كلّ فنّ ولحن، فكيف وقد أطرب غناء أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة وفريد وغيرهم ممّن كان مصريّا أو عاش فيها العالم أجمع.
لقد عشنا منذ بدايات تكويننا مع الملكيّة في مصر، من محمد علي بك وإصلاحاته وبعثاته إلى سقوط الملك فاروق، واستمتعنا بأحاديث ثورة سعد زغلول وعرابيّ والصّراع مع الإنجليز والملكيّة.
وعشنا تماما ثورة الضّباط الأحرار وسقوط الملكيّة، وتعيين الجمهوريّة البرلمانيّة بقيادة محمد نجيب، ثمّ الانقلاب عليه وصعود جمال عبد الناصر، وما حدث في عهده وقبله آخر الملكيّة من أحداث، كالصّراع مع الإخوان، ومقتل النّقراشيّ، وقضية التّنظيم السّريّ، واعتزال الغزاليّ، ومقتل حسن البنا، وقضية تأميم قناة السّويس، وهزيمة مصر مع إسرائيل.
ومرت بنا الأحداث إلى وفاة عبد النّاصر بسكتة قلبية، وصعود السّادات وما حدث في عهده من فتح الحريات للإسلاميين وغيرهم، وحرب أكتوبر حرب انتصار مصر، ومعاهدة السّلام مع إسرائيل أو كامب ديفيد وخلاف السّادات مع البابا شنودة إلى حادثة اغتياله، ومن ثمّ صعود حسني مبارك وتراجع الوضع الاقتصاديّ والفنيّ والمعرفيّ في عصره.
هذه الأحداث عشناها وكأننا مصريون وإن لم نر مصرا بأعيننا، لكن رأيناها بعقولنا وقلوبنا…
ولهذا أرسلت قبل أشهر للأستاذ المفكر عمرو الشّاعر نريد زيارة مصر في شهر مايو، لنعدّ جدولا ثقافيا، ولكن شاء القدر أن تأتي زيارة مفاجأة وسريعة لمصر، بدون سابق ترتيب، فلما أخبرته بالزيارة قال بانتظاركم، وهو من المنصورة، قلت له للأسف لن نتمكن لأنّ هذه الزيارة سريعة جدا، وعيه نؤخر الزيارة المعرفيّة مع الكتاب ومفكري مصر إلى سبتمبر إذا شاء القدر!!
ذهبنا إلى مصر وفي المطار استحضرت هؤلاء العمالقة من المصلحين والكتاب والقانونيين والأدباء، وبعد زيارتي للقاهرة: أدركتُ أنّ هؤلاء استفاد منهم غير المصريين أكثر من استفادة مصر منهم، ولو أدركت مصر عمق ما قالوه لكانت مصر اليوم تضاهي دول أروبا نظاما وحريّة وتعليما وصحة وإنتاجا ومعرفة واختراعا!!
استقبلنا الأستاذ هاني عبد الفتاح، تلميذ المفكر الدّكتور محمد عمارة، وكان استفتاحا حميدا، واختار لنا شابا خلوقا متواضعا يعرف القاهرة وسككها ومداخلها ومخارجها، وهو الأستاذ حازم ليرافقنا في هذه الجولة السّريعة، والأستاذ هاني يدرس الفلسفة وهو ناشط في التّنوير والإصلاح، وخطيب أزهريّ في الوقت نفسه، ورجل في قمة التّواضع، ما فتأ يسأل عنا يوما بيوم حتى رجعنا عمان.
أراد أن يعقد لنا جلسات مع تنويريين ومفكرين، ولكن قلت له الوقت قد لا يتسع حاليا؛ لأننا نريد أن تكون الزّيارات وفق خطة محكمة، وهنا لا أنس المفكر والأستاذ شعبان حسان الّذي تواصل معنا يوما بيوم وهو من الإسكندريّة، ورجونا زيارته لولا بعد المكان عن القاهرة.
ولا أنس هنا تواصل فضيلة الشيخ طاهر رمضان عبد الرّازق من خطباء الأزهر الشّريف وهو من السّادة الرّافعيّة في السّويس، وابنه الأستاذ وليد، وطلبوا أن نشرفهم بإلحاح والخطبة معهم، واعتذرنا لضيق الوقت.
عموما على الوضع الّذي تمر به مصر اقتصاديا إلا أنّ مصر لا زالت والحمد لله بخير، وتتنفس الحياة يوما بعد يوم، لتعود كما كانت عروسا في العالم الإنسانيّ والإسلاميّ والعربيّ، وإذا ألح المصري يصعب التّخلص منه، وهذا ما كان مع أحد ممّن عمل في عمان، فأصرّ أن نزوره في المحلة الكبرى من المحافظة الغربيّة، فذهبنا إليه عصر الخميس، وكان الشّارع مزدحما جدا، بسبب رجوع النّاس إلى بلدانهم، ومع أنّ الطريق في الأيام العادية يأخذ ساعة ونص، إلا أننا أخذنا قرابة ثلاث ساعات!!
مررنا على الريف المصري واستحضرت رواية يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم، وغيرها من المسلسلات والرّوايات الّتي عشنا معها الرّيف المصريّ، وفيها شاهدنا التّراع والنّخيل والفواكه وحياة البساطة، ومررنا بطنطا وسوقها الجميل، وشاهدت قبل المحلة منطقة صفط تراب، وهنا تذكرت القرضاويّ وهو يتحدث عنها في كتابه القرية والكتاب الجزء الأول، فهذه المنطقة الّتي ولد فيها، وهنا وصلنا إلى المحلّة وأتحفونا بكرمهم، وفيها أكلنا أول مرة الحمام المحشي مع الأرز، وكان لذيذا جدا.
والمحلّة الكبرى فيها أكبر شركة للغزل في الشّرق الأوسط، وظهر منها العديد من العلماء والمفكرين والسّياسيين والفنيين، كأبي زهرة وذي الفقار وأبي السّعود وأشرف عبد الغفور وجابر عصفور وغيرهم كثير.
والعادة عندهم أن يجلس الجميع في مجلس واحد ذكورا وإناثا، ويتجاذبون أحاديث السّياسة والفكر والوضع العام.
ونرجع إلى القاهرة مرة أخرى فقد عشنا في فندق يطل على نهر النّيل، وهنا رجعت بنا ذكريات النّيل وشعره وأغانيه!!
وفي القاهرة كانت أحاديث وزيارات ومشاهدات الأهرام والفراعنة وأبي الهول، والقلعة وسجن الحربيّ، والمكان الّذي سجن فيه سيد قطب وأعدم، وأخته زينب وكشك والسادات، وأطللنا على مسجد الحسين وعائشة وغيرها، ومع تمثال رفاعة الطّهطاويّ – رائد الإصلاح المصريّ -، وتمثال طلعت حرب -أبو الاقتصاد المصريّ-، ومع ميدان التّحرير ومركز القاهرة، والمكان الّذي اغتيل فيه السّادات، ومع خان الخليليّ وشبرا والميناء والأزبكيّة وشارع العتبة ومصر الجديدة، وكلّ مناطق القاهرة!!
إن كتبت عن القاهرة فيحتاج لوقفات طويلة، إلا أنّ الأسى يعود بنا أن يتراجع هذا البلد الطّيب إلى الخلف لنرى الفقر والحاجة والقرى العشوائيّة والفوضى وعدم النّظام وانتشار الأميّة، بينما المصريون ساهموا في بناء أوطان غيرهم، وعلّموا أجيالا من غير جلدتهم، وكانوا سببا في نهضة أمم غيرهم، وزادها بؤسا الإرهاب الذي لا يرحم أحدا، والتّشدد الدّينيّ الغريب على السّماحة المصريّة، واستيراد التّكفير والتّشدد الّذي أصبح يهدد العقل المصريّ!!
ومع هذه لمصر عشرات من المتنورين، ومصر حيّة وستظل حيّة ما شاء الله أن تدوم، وفيها عقول جبارة إذا استفادت منها مصر سيعمّ الخير الإنسان أجمع بإذن الله تعالى.
2016م