الرحلات

باكستان والصّورة الأخرى

الأربعاء 21 جمادى الأولى 1447هـ/ 12 نوفمبر 2025م

كثير من الصّور العالقة في أذهاننا نتيجة المشاهدات السّطحيّة، أو القراءة الخاطئة، أو الإعلام المضلّل؛ هذه الصّور تتلاشى عندما يخرج الإنسان من مرحلة السّماع إلى مرحلة العيان، ومن مرحلة القراءة عن الآخر إلى مرحلة التّثبت من خلال الذّات، ومن مرحلة الخلطة العامّة إلى مرحلة البحث في العمق، ثمّ هذا كلّه لا يتحقّق إلّا عندما يدرك الإنسان جماليّات الوجود، ومنها ما يتعلّق بعالم الإنسان، حيث ينفتح له الوجود، ويدرك جمال المعرفة الإنسانيّة وتدافعها وتطوّرها، فينظر إلى الآخر من خلال هذا الجمال، فينفتح قلبه على الجميع حبّا وسلاما، ولا يحصر ذاته في دائرة دينيّة أو مذهبيّة أو ثقافيّة أو سياسيّة أو قطريّة ضيّقة؛ لأنّه يبحث عن الإنسان كذات أولا، ليدرك جمال تعدّد انتماءاته تلقائيّا.

هذه الصّور السّطحيّة ترتبط بجغرافيا قريبة منّا، أو مكونات ثقافيّة أو مذهبيّة مختلفة عنّا، وتعيش معنا، وهذه ما أجده في الاتّجاه الشّرقيّ، ومنها باكستان، ويذكرون أنّ أول من اخترع اسم باكستان شهود رحمت عليّ، أو تشودري رحمت عليّ (ت: 1951م)، اخترع الاسم عام 1933م، وقد اختصر حروفها من أقاليم باكستان، لتتكون من جزأين (باك) أي الطّهر والنّقاء، (وتان) أي أرض، بمعنى أرض الطّهر، وهي تتكوّن حتّى اليوم من أقاليم أربعة رئيسة، يجمعها حكم فيدراليّ اتّحاديّ، والأقاليم الأربعة: إقليم البنجاب وعاصمتها لاهور ولغتهم البنجابيّة، وإقليم السّند المطلّ على بحر العرب، وعاصمتها كراتشي، ولغتهم السّنديّة، وإقليم بلوشستان وعاصمتها كويته، ولغتهم البلوشيّة وشيء من البشتونيّة، وإقليم خيبر بختونخوا وعاصمتها بشاور، وغالبهم من البشتون، ولغتهم البشتونيّة، واللّغة الجامعة قديما الأورديّة، وهي لغة الأدب والفنّ والكتابة لديهم، واليوم تزاحمها خصوصا في الجوانب الرّسميّة والجامعيّة وشيء من الإعلام والصّحافة اللّغة الإنجليزيّة، أمّا اللّغة العربيّة فأقرب إلى اللّغة الدّينيّة عند المسلمين.

وفي باكستان أقليّات دينيّة منها الهندوسيّة، والبوذيّة، والمسيحيّة الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة، والسّيخيّة، وقيل لي كان يوجد أقليّة يهوديّة، كما يوجد أقليّات من الزّرادشت الباريسيين، والقاديانيّة الأحمديّة، والبهائيّة، ولديهم وزارة لشؤون الأقليّات، غايتها حمايتهم وحماية حقوقهم وممارسة طقوسهم، وتوجد حرّيّات دينيّة واسعة في باكستان، وأمّا المسلمون فأغلبهم سنّة ماتريديّة وأشاعرة، وقليل من أهل الحديث أو السّلفيّة، وفقها غالبهم أحناف، وبنسبة أقل الشّافعيّة، وتوجد نسبة كبيرة من الشّيعة الإماميّة، وأقليّة من الإسماعيليّة  الآغا خانيّة النّزاريّة، والصّوفيّة في باكستان عريقة كسائر القارة الهنديّة وشرق آسيا، حيث البعد الغنوصيّ موغل في أديان ومذاهب هذا الاتّجاه، ففيها القادريّة والسّهرورديّة والنّقشبنديّة والشّاذليّة، ومن الطّرق المعاصرة الجشتيّة، ثمّ الذّكريّة، وتنتشر الأخيرة في إقليم بلوشستان خاصّة مكران، بجانب انتشار جماعة التّبليغ والإخوان المسلمين والجماعة الإسلاميّة والقرآنيين  وغيرهم.

وباكستان وإن كانت قديما ضمن القارة الهنديّة قبل تأسيسها في 14 أغسطس 1947م على يد محمّد عليّ جناح (ت: 1948م)، بيد أنّها جغرافيّا لها تأثيرها ثقافيّا في التّراث الإسلاميّ والعربيّ منذ فترة مبكرة كسائر الأقطار الشّرقيّة ومنها الهنديّة، كما لها تأثير في الاتّجاهات الإسلاميّة والفكريّة المعاصرة، ومن رموزها المعاصرين المؤثرين خارج الجغرافيا الباكستانيّة الشّاعر والفيلسوف محمّد إقبال اللّاهوريّ  (ت: 1938م) من لاهور عاصمة البنجاب، وأبو الأعلى المودوديّ (ت: 1979م) مؤسّس الجماعة الإسلاميّة في باكستان، ومنظّر رؤية الحاكميّة في الاتّجاهات الإسلاميّة الحركيّة المعاصرة، ودينيّا الغورو نانك (ت: 1539م) من البنجاب عموما قديما، ومن البنجاب الباكستانيّ جغرافيّا حاليا، وهو المعلّم الأول للسّيخيّة الخليطة بين الهندوسيّة والإسلام، والسّيخ حاليا من أكثر الأقليّات الدّينيّة في باكستان.

كما أنّ باكستان جغرافيّا لها علاقة عريقة مع عُمان منذ فترة موغلة في القدم، خصوصا المناطق المطلّة على المحيط الهنديّ، فإقليم بلوشستان إقليم ارتبط بعمان، وحدث بينهما علاقات تجاريّة كما في مكران وجوادر، أدّى هذا إلى هجرات قبليّة ولغويّة وثقافيّة ومذهبيّة وغنوصيّة، ومصاهرات اجتماعيّة، فانتشرت العربيّة بشكل أكبر في بلوشستان، ودخلت مفرداتها في البلوشيّة، كما انتشرت البلوشيّة أيضا في عُمان، وحدثت هجرات من البلوش قديما وحديثا، وهاجرت معهم ثقافة اللّباس والمطعومات والفنون، كما هاجرت أيضا الأورديّة إلى عُمان، وتأثرت كثيرا باللّغة العربيّة، كما ينتشر بينهم في عُمان مذهبيّا الأحناف، وبعض الطّرق الصّوفيّة، والغنوصيّة الذّكريّة بنسبة بسيطة، وبعد استقلال باكستان، هاجر بعض العمانيين إلى كراتشي عاصمة إقليم السّند، وعاصمة باكستان منذ 1947م وحتّى 1959م قبل تأسيس إسلام آباد، هاجروا إليها لمواصلة الدّراسة والتّجارة، كما يذكر ذلك حسين حيدر درويش (ت: 1999م) في كتابه “مناضل من عُمان” أنّ كراتشي كانت “تحتضن بعض الوطنيين من السّودان واليمن وعُمان وإيران”.

لمّا كنت أقرأ هذا الكتاب أي “مناضل من عُمان” وجدته يذكر صورة عن كراتشي خصوصا، وباكستان عُموما، هذه الصّورة تمثلت في أنّ “باكستان في تلك الفترة كانت تتمتع بحريّة الكتابة وحريّة الفكر، فقد كانت جميع الكتب السّياسيّة والعقائديّة – بمختلف اتّجاهاتها – متوفرة في المكتبات، وكانت مؤلفات ماكسيم غوركي وكارل ماركس المطبوعة في الاتّحاد السّوفياتيّ باللّغة الانجليزيّة تباع في المكتبات بل وفي الشّوارع، شأنها في ذلك شأن الكتب والمؤلفات الأمريكيّة، كان الوضع يبدو وكأنّه منافسة مكشوفة لترويج الأفكار والمبادئ بأبخس الأثمان الماديّة”، “كانت باكستان تزخر بالمفكرين الّذين نزحوا إليها، وبالمؤلفات الّتي تباع بمكتباتها، بعضها من مخلّفات عهد الاحتلال البريطانيّ، والبعض الآخر ممّا كانت تستورده من مختلف أنحاء العالم الشّرقيّ والغربيّ، وفي خضم هذه النّظريّات العقائديّة المتضاربة، كانت الدّولة تحاول شرح المعتقدات الإسلاميّة ونشر الوعي الدّينيّ، باعتبار أنّ باكستان تأسّست على أسس دينيّة، وما انفصالها عن شبه القارة الهنديّة إلّا لأنّ السّكان المسلمين أبوا إلّا أنّ تكون لهم دولة منفصلة يمارسون فيها معتقداتهم الدّينيّة بحريّة تامة، ومن هذا المنطلق برزت فكرة الانفصال الّتي قادها محمّد عليّ جناح الّذي كان قبل الاستقلال عضوا بارزا في حزب المؤتمر الّذي تزعمه المهاتما غاندي”.

كنت أتصوّر أنّ هذه الصّورة من الحرّيّات السّياسيّة والفكريّة والدّينيّة والاجتماعيّة ضاقت اليوم في باكستان، بيد أنّي في زيارتي الأولى إلى إسلام آباد ولاهور في باكستان، بدعوة كريمة من منظمة “بودا للتّنمية وحقوق المرأة”، وقد شاركت بمداخلتين في العاصمة إسلام آباد، وعاصمة البنجاب لاهور في نهاية شهر أكتوبر الماضي، بهذه الزّيارة أدركت خطأ تصوري، فلا زالت باكستان تحتفظ بدرجة عالية من الحرّيّات خصوصا السّياسيّة والفكريّة والدّينيّة، كما وجدت بينهم العديد من الباحثين والمثقفين والمتنورين، كما أنّهم منفتحون على ثقافات مختلفة ومتنوعة، ويطلق على لاهور “عاصمة اللّيبراليين”، ففيها حرّيات فرديّة وانفتاح أكبر على المعرفة، ومعرفة الآخر وتقبله، وحريّة رأيه وتوجهه، كما أنّ العاصمة إسلام آباد، وإن كانت تأسّست في بداية السّتينات من القرن العشرين، وأصبحت عاصمة رسميّة في 1967م، فهي وإن كانت حديثة نسبيّا، إلّا أنّها تخطيطها عصريّا أقدم من غالب العواصم الخليجيّة، بيد أنّك تجدها أكثر تفوقا من العواصم الخليجيّة في أنسنة المدن، فهي مؤنسنة ومخطّطة بشكل بديع تبهج النّاظرين، وهي أيضا منفتحة لبراليا وثقافيّا ودينيّا.

قد تعاني باكستان اليوم من الوضع المادي بسبب الكثافة السّكانيّة الّتي تتجاوز مائتين وخمسين مليون نسمة، مع بعض التّحدّيات الاجتماعيّة في بعض الأقاليم، خصوصا فيما يتعلّق بالتّعليم والمرأة، كما تعاني من هجرة بعض الآراء الدّينيّة إليها والّتي تثير شيئا من عدم قبول المختلف في الفكر أو الدّين والمذهب، مع بعض الجوانب السّياسيّة الدّاخليّة المضطربة في بعض الأحيان، والتّحدّيات في العلاقات الخارجيّة كما مع الهند وبنجلاديش وأفغانستان، ونوعا ما مع إيران، وما أرمي إليه في هذه المقالة ضرورة الانفتاح الثّقافيّ مع هذه الأقطار، ومنها باكستان، وهذا الانفتاح له أثره الإيجابي في التّفاعل الحضاريّ، وتطوّر المعارف، وتهذّب الثّقافات والسّياسات، والحدّ من جوانب الانغلاق الدّينيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ بين الشّعوب.

السابق
ندوة مكانة المفكرين الخليجيين بين المفكرين العرب:  من الأطروحات الى التنظير
التالي
شناص عُمان وشناص جنوب إيران
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً