المقالات الدينية

الوحدة من خلال شعائر الحج

 

من خلال ميثاق المدينة الّذي جعله الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – ميثاقا بين جميع الأطياف، والّذي قال في بدايته: [بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمدٍ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -، بأنّ المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنّهم أمّة واحدة من دون النّاس].

بيد أنّ الله تعالى استخدم في القرآن الكريم مصطلح الأمّة الواحدة، كما في قوله سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء/ 92.

ومصطلح الأمّة الواحدة يظهر من خلال التّدرج التّالي:

  • وحدة أمّة الجنس البشريّ، فيدخل فيه النّاس كافّة، باعتبار وحدة أصل الخلق، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النّساء/ 1.
  • وحدة أمّة المؤمنين بالله، فيدخل فيه جميع الأديان المؤمنة، ولهذا عندما ذكر الله بعض الأمم والأنبياء قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء/ 92.
  • وحدة أمّة البيت المسلم، فيدخل فيه جميع المذاهب والمدارس الإسلامية، كما يظهر من وثيقة المدينة: [بأنّ المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنّهم أمّة واحدة من دون الناس].

والّذي يهمنا هنا القسم الثّالث، والّذي يتجسد من خلال شعائر الحج، الّذي قال سبحانه في عظمة المكان والشّعيرة: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الحج/ 25.

ومع التّجسيد الطّقوسيّ في الحج للوحدة، حيث يمارس جميع المسلمين شعائر حجهم على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الفقهيّة والعقديّة والفكريّة، فيحرمون ويتحللون معا، ويطوفون ويسعون في مكان واحد، وبطريقة واحدة، ويقفون في يوم ومكان واحد، وينامون ليلة النّحر في مكان واحد، ويؤدون شعائر منى في نفس المكان، وبنفس الطّريقة، إلا أنّ هذا التّجسيد الطّقوسيّ لا يتعدى حدود مكة وزمان الحج، إلا وتجد الأمّة المتناحرة المتباغضة المتفرقة في أرض الواقع، وما يعقب ذلك من تخلف وتفرق وتمزق!!!

لهذا في النّصف الثّانيّ من القرن التّاسع عشر نادى المصلحان الكبيران جمال الدّين الأفغانيّ ت 1879م ومحمد عبده ت 1905م بفكرتي الوحدة والتّقريب، فنادى جمال الدّين بفكرة الوحدة، ونادى محمد عبده بفكرة التّقريب، إلا أنّ دعوتهما في هذا الجانب لم تحقق ذاك البعد التّصحيحيّ، بقدر ما قاما به من إحياء فكريّ وإصلاحيّ لا زالت ثمرته حتى يومنا هذا، ولما كان يعانيه العالم الإسلاميّ والعربيّ حينها خصوصا من استعمار خلّف جهلا وتخلّفا ماديّا ومعنويا، فكانت فكرة أصل الإحياء والتّحرر من الاستعمار هي السّائدة والغالبة.

من هنا في عام 1947م نادى العالمان أولهما سنيّ المذهب وهو الشّيخ محمود شلتوت ت 1963م، والثّاني عالم شيعيّ إماميّ وهو الشّيخ محمد تقيّ القميّ ت 1990 نيابة عن آية الله السّيد حسين البروجرديّ ت 1961م بإحياء نظرية التّقريب بين المدارس الإسلاميّة، وفي عام 1949م أصدروا مجلة رسالة الإسلام حتى وقّفت سنة 1972م بعد إصدار ستين عددا!!

بيد أنّ هذه الفكرة لم تتقبل في العقل التّراثيّ من أطراف العديد من المدارس الإسلاميّة، فمنهم من رفض الفكرتين رأسا؛ لأنّه لا تقارب في الأصل مع الباطل مع إيماننا بما عندنا هو الحق، فالتّقريب تمييع لهذا الحق، فإمّا أن يعترفوا بما عندنا من حق، وإمّا لا يصح التّمييع فيه وإظهاره بإظهار مذاهبه وأفراده!!

ومنهم من رفض فكرة الوحدة، وقبل فكرة التّقريب؛ لأنّه رأى أنّ فكرة الوحدة أقرب إلى الدّمج مع وضوح، وأمّا التقريب فأقرب إلى فهم الآخر!!

إلا أنّ من يقول بالوحدة في حقيقته لم يرد الدّمج بقدر ما رأى الالتفات حول المشتركات الكبرى من المذاهب كالإيمان بالله ورسله وكتبه والصّلاة والصّيام والزّكاة والحج والأخلاق وغيرها، مصداقا لقوله تعالى: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} آل عمران/ 64.

فالوحدة بهذا قريبة من التّقريب، أي بمعنى الوحدة في الأطر العامّة للإسلام، والتّقريب في أطر الخلاف وفهم الآخر.

والمتأمل في القرآن الكريم يريد أن يخرج بالفرد من الأطر الفرديّة الضّيقة إلى إطار الجماعة، ولهذا كانت الشّعائر تمارس في إطار الجماعة من الصّلاة وحتى الحج.

كما أنّه أراد أن يخرج الإنسان من فضاء المذهب الضّيق إلى فضاء الإنسان والعالم المفتوح، ومن العيش في الماضي والصّراع حوله إلى السّير في الحاضر، والنّظر إلى المستقبل، ولهذا قال في سورة البقرة وهي تبني المجتمع المدنيّ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} البقرة/ 134.

والأصل لهذا أن تكون الشّعائر مجسدة لنظريّة الوحدة أو التّقريب بين الأمّة الواحدة، بل بين الجنس البشريّ، إلا أنّ شعائر الحج أصبحت لا تعدو أن تكون رهبنة سنويّة، ينفق حولها بعض المال، ليستفيد منه السّماسرة ومن فوقهم، أكثر ممّا يحقق بعدا وحدويّا وتقريبيّا في الأمّة الواحدة.

والسّبب يعود في نظري إلى عدّة أمور أولها الخطاب الكلاسيكيّ التّقليديّ المكرر سنويّا، والّذي لا يتجاوز تكرار بعض الشّروط والأركان!!!

من هنا تغيب مقاصد الحج، حتى الّتي أشار إليها القرآن الكريم في سورتي البقرة والحج، فضلا عن مقاصد القرآن الكبرى.

ففي الطّهارة والنّظافة يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الحج/26، بينما تجد القذارة اليوم ترمى بعد نهاية كلّ شعيرة، مع التّدافع والتّشاحن!!

وفي التّعاون والتّكاتف يقوله سبحانه وتعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج/28، ليكون الحج مدرسة في تحقيق مبدأ دائرة التّكافل، وتحقيق مقصد العدالة، وما نجده في الحج اليوم من بعض الطّبقيّة المقنعة بين النّاس إلا إسقاط للواقع الّذي تعيشه للأسف هذه الأمّة، وغياب القيمة الإنسانيّة الّتي جاء القرآن الكريم في تعزيزها، خاصة في شعائره وطقوسه التّعبّديّة!!

وفي المساواة والنّظام يقول الله تعالى: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} الحج/25، حيث لا تمايز بين أحد في الحج، فالغنيّ مع الفقير، والرّئيس مع المرؤوس، والأبيض مع الأسود، والذّكر مع الأنثى، كلّ يطوف ويسعى ويقف في مكان واحد لله وحده سبحانه وتعالى لا شريك له، لتتحقق المساواة بين الجميع على أساس ذات الإنسان ومكانته.

هذا الخطاب المقاصديّ نجده يغيب في الحج، ليتحول إلى طقوس شكليّة لا تعطي ثمرة في واقع المجتمع، ولا في حياة الفرد ذاته.

بجانب الخلل الخطابيّ يأتي الخلل العلمائيّ، فالعلماء لهم قدرة في استثمار الحج بالتّعاون مع طاقات المجتمع، لرفع المستوى الطّقوسيّ إلى أثر يعود نفعه للأمّة والإنسان، فالحج دورة استثماريّة ذات منافع ليست ماليّة تعود إلى جيوب السّماسرة فحسب؛ بل الأصل منافع مجتمعيّة وعلاجيّة للعديد من القضايا تعود إلى الإنسان والأمّة ككل.

وبين الجانبين الخطابيّ والعلمائيّ تغيب الإرادة السّياسيّة، فلو أراد السّاسة ذلك لاختصر الطّريق، بحيث يتحول مفهوم الوحدة والتّقريب وغيرها من المقاصد إلى سلوك عمليّ، من خلال تمكين جميع المبدعين في الأمّة لنشر رسالتهم التّنويريّة والمقاصديّة، وتشجيعهم مع تسهيل لهم، بدلا من الخطاب التّقليديّ الّذي لم يعد يقدّم نفعا كبيرا.

وهذا يحتاج ليس إلى مؤتمرات؛ بل إلى مراكز أبحاث تشترك فيه الأمّة ككل بجميع طوائفها؛ لأنّ الحج فرصة كبيرة لعلاج العديد من القضايا، وتقديم صورة الأمّة الواحدة المعالجة لقضاياها الفكريّة والمجتمعيّة والسّياسيّة والمذهبيّة.

فيسبوك 1439هـ/ 2017م

السابق
التّرحم على الفنان الكبير: عبد الحسين عبد الرّضا
التالي
مفهوم الدّولة في القرآن وتكوّن المذاهب السّياسيّة الأربعة في التأريخ الإسلاميّ
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً