المقالات التأريخية

كاستروا بين محبّيه ومبغضيه

تعتبر شخصيّة فيدل كاسترو 1926 – 2016م من الشّخصيّات الجدليّة خاصّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين، ومن المعلوم أنّ الشّخصيّات النّضاليّة والمعارضة في القديم والحديث أكثر عرضة لتشويه الصّورة، خاصة من الدّول الأقوى، أو من الحكومات الحاضنة للإعلام، فكم من شخصيّة في التّأريخ شوهت بسبب كونها عارضت التّيار العام فكرا وسياسة ومجتمعا!!

ارتبطت بكاسترو أربع مصطلحات، كوبا، والشيوعيّة، وجيفارا، والعمّ سام، والإرهاب!!

أمّا كوبا فهي الّتي كانت ضحية الفقر والحرمان والاستغلال كونها دولة نامية، حيث تتمتع بزراعة السّكر، وبعض الموارد الطّبيعيّة، إلا أنّها كانت كغيرها رهينة المصالح الأمريكيّة الّتي لا يهمها في الخارج جملة أن تجوع شعوب أو تعرى إن لم تخضع لشروطهم وهيمنتهم.

ففي عهد فولغينسيو باتيستا ت 1973م كانت كوبا ضحيّة للمصالح الخارجيّة، ولم يشفع لها ذلك إلا أن تزداد بؤسا يوما بعد يوم، كغالب الدّول النّاميّة!!

من هنا كانت الثّورة ضد الظّلم والاستغلال وحياة البؤس والجهل والمرض، مهما اختلف الجنس والدّين والفكر، إلا أنّ الظّلم يبقى ظلما، والمبادئ تبقى واحدة!!

وأما الشّيوعيّة والماركسيّة فكانت الفكر العام الّذي شاع حينها، فشاع فكر ماركس ت 1883م وأنجلز ت 1895م وغيرهم، وهذا الفكر أعجب به كاسترو منذ دراسته الأولى، كفكر يحارب الإقطاعيّة والفقر، ويدعو إلى العدالة بين الأفراد والشّعوب.

وهناك فرق بين الشّيوعيّة والاشتراكية كمعتقد وبين الشّيوعيّة والاشتراكيّة كمرحلة ثقافيّة وإصلاح اقتصادي واجتماعي حينها، من هنا نجد حتى عند المسلمين من حاول أن يبين أنّ المبادئ الاشتراكيّة في محاربة الظّلم الاقتصادي والاستعلاء الاجتماعي موجود في الإسلام مثلا، كما عند محمد أبو زهرة ت 1974م في كتابه الاشتراكيّة في الإسلام، وخالد محمد خالد ت 1996م في كتابه من هنا نبدأ، وسيد قطب ت 1966م في كتابه العدالة الاجتماعيّة في الإسلام.

وكاسترو صرّح في زيارته للولايات المتحدة الأمريكيّة أنّه ليس شيوعيّا، إلا أنّ الشّيوعيّة استخدمت تهمة لكل ثائر، وألصق بها الإلحاد، واستخدمت إعلاميّا حتى في الدّول العربيّة عندنا.

فكاسترو علاقته بروسيا علاقة مصالح، في فترة شاع فيها القطبان الرّوسي والأمريكي، إلا أنّه مرّ بمرحلة خيانة الاتحاد السّوفييتيّ له بعد مسألة الصّواريخ، وتحالفهم مع أمريكا، ثمّ سقوط الاتحاد السّوفييتيّ نفسه في التّسعينيّات، إلا أنّ مبادئه الثّوريّة ظلّت واحدة، وظلّ صامدا حتى آخر حياته، رغم التّشويه والتّهديدات، ومحاولات الاغتيال الّتي تجاوزت ستمائة حالة اغتيال!!!

وأمّا تشي جيفارا ت 1967م وعلاقته بكاسترو كانت في البداية علاقة مبدأ ضد الظّلم والطّغيان، فجيفارا كان طبيبا وكاتبا أرجينتينيّا، وطاف يطبب النّاس مجانا بدراجته الهوائيّة مع أحد رفاقه، ورأى الظّلم الّذي كان يعانيه النّاس، وقد رأى أنّه لابد من الثّورة، من هنا التحق بالثّورة الكوبيّة، التحق بها كثائر، ومع هذا استغل الفرصة في تطبيب الفقراء وتعليمهم، ويفترق مع كاسترو أنّه تبنى الماركسيّة فكرا ومعتقدا، إلا أنّه كان ضد الاغتيالات، وشعر بالأسى وهو يرسل سلاحه ضد جنود لغينسيو الّذين لا ذنب لهم إلا أنّ الحياة أجبرتهم لكسب العيش، وقد سبق في صفحتي أن كتبت عن جيفارا وثورته فليرجع إليه من شاء.

وأما العم سام (Uncle Sam ) كناية عن US أي الولايات المتحدة الأمريكيّة، فكان يكتب على اللّحوم المعلبة الّتي ترسل للجنود الأمريكيين في حربهم ضد البريطانيين US، فتصور الجنود أنّها ترسل من رجل غني اسمه العم سام، ثمّ شاعت كمسمى تدليعي للولايات المتحدة الأمريكيّة.

على العموم كوبا كغيرها من الدّول النّاميّة عانت كما أسلفنا من هيمنة الامبريالية الغربيّة عموما، والأمريكيّة خصوصا، واستغلال مصالحهم ضدّ مصالح الشّعوب الأخرى، من هنا وقف بعنف ضد مصالح العم سام، ومع هذا حاول التّطبيع مع كينيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة، إلا أن الأخير اغتيل 1963م، وجاء من بعده ممّن لا يهتم بالأمر إلا استعلاء وغطرسة!!

من هنا حاول كاسترو أن يقوي علاقته بروسيا، إلا أنّه خلص من تجربته، أنّ الدّول النّامية ما هي إلا لعبة شطرنج تتلاعب بها روسيا وأمريكا، والدّولتان لا تهمهما مصالح الدّول النّاميّة إلا بما يحقق مصالحهما، وعليه اهتم بالدّاخل الكوبي، حيث اهتم بالتّعليم والصّحة والتّجارة والزّراعة، حتى صار التّعليم الكوبي من الأنظمة التّعليميّة القوية في العالم، ولم يوجد أميّ فيها، كما ارتفع منسوب الصّحة بصورة كبيرة جدا، إلا أنّ رفضه للخضوع مع العم سام، كانت المقاطعة ضدّه وضدّ بلاده، ممّا ولّد حالة سيئة لبلاده، وفقرا مدقعا، وهجرات إلى الخارج، وبالفقر انتشرت العصابات والجرائم والسّرقات وتجارة الخمور والمخدرات والدّعارة، وارتفع منسوبها في كوبا، فضعف الأمن، وانتشر الاغتصاب والقتل وحالات الانتحار!!

وأمّا الإرهاب مع كونه وصمة استخدمته الولايات المتحدة الأمريكيّة ضد أيّ معارض لها، إلا أنّ كاسترو أخذ عليه الشّدة خاصة في إعدام من كان مع حكومة لغينسيو فقد أعدم أكثر من ألفين شخصا في وقت واحد، واستمر الحال لكلّ معارض لثورته، ممّا جعل من النّاس يتصورون أنّ حكومته استبدادية، لا مجال فيها للحريّة والدّيمقراطيّة، وعليه كان الخلاف مع من شاركه الثّورة، ومنهم من سجنه لفترة طويلة، وهم من المناضلين، فاتهمه بعضهم بالحاكم المستبد والمتغطرس!!

وفي الحقيقة أنّ كاسترو اعترف بضعفهم في التّجارب السّياسيّة؛ لأنّهم كانوا ثوارا ضد الظّلم والطّبقيّة، فأرادوا أن يكونوا ثوارا حتى في التّطبيق السّياسيّ، ومع شعوبهم، فمن هنا بدأ يفقد شعبيته، إلا أنّه ظلّ صامدا ضد المصالح الأمريكيّة، ورمزا له مكانته وقيمته تأريخيّا ونضاليّا، بغض النّظر عن الاخطاء الّتي ارتكبت أبان حكمه الّذي تجاوز الأربعين عاما!!

فيسبوك 1439هـ/ 2017م

السابق
قصّاصات الكتب الصّفراء (التّراث)!!
التالي
ماذا يحدث في أماكن الغسيل بالمجالس بعد مناسبات الأفراح؟
– تنويه:

عدد من الصور المستخدمة للمقالات مأخوذة من محرك google

اترك تعليقاً