لعلّ من القوانين المطاطة ما يسمى بقانون ازدراء الأديان؛ لأنّه قد يستخدم بشكل سلبيّ من قبل السّلطتين السّياسيّة والدّينيّة، كما حدث في بعض الشّخصيات في بعض الدّول العربيّة، وقد يستخدم لبعض التّصفيات الشّخصيّة ضدّ بعض الأشخاص بدعوى ازدراء الأديان!!
ولما نتأمل القرآن الكريم نجد القرآن مع إقراره لبعض العقوبات المتعلقة بالفرد، حتى وصل إلى درجة الجلد أي ثمانين جلدة حال القذف مثلا!!
بيد أنّ القرآن الكريم فيما يتعلّق بالمقدسات يستخدم دوائر أكثر مرونة وسعة، فيستخدم منهج الإعراض: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، ومنهج الصّفح: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، ومنهج عدم الالتفات والاهتمام: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، ومنهج المحاججة بالتي هي أحسن: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ومنهج المواجهة بالبرهان: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، ومنهج مقابلة السّيئة بالحسنة: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}.
فالقرآن لم يستخدم فيما يتعلّق بالمقدسات الإيذاء البدنيّ بحال؛ بل خلّد حتى استهزائهم وسخريتهم في كتابه كقولهم شاعر مجنون، واستخفافهم أن تكون الآلهة إلها واحدا، وتهكمهم من يوم البعث والنّشور!!
وينقل الدّكتور طه جابر العلواني في كتابه لا إكراه في الدّين، ص: (80) عن ابن الطّلاع: أنّه لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قتل مرتدا ولا زنديقا! (انتهى كلامه) فضلا على أنّه سجن أو قيّد أحدا!!
وعلى العموم شخصيّا أرى من حق الإنسان أن يظهر معتقده وفكره بالدّليل والبرهان، حتى ولو كان عكس الإيمان: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} وأن يقابل بالبرهان والدّليل، والدّعوة بالّتي هي أحسن، أمّا المصادرة أو التّكتيم أو السّجن فهذا سيزيد من القضيّة نفاقا وانتشارا!!!
وفي المقابل أنا ضدّ درجة الاستهزاء والسّخريّة من أي معتقد، ولو كان الدّين وضعيّا، ومنغمسا في الخرافة، {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
ومع هذا العلاج ليس بالسّجن، وتقييد الحريات؛ لأنّ الحريّة جانب تكويني في الإنسان، تقييده لخلاف فكريّ أو سياسيّ أو دينيّ يتعارض مع الكرامة الذّاتيّة الّتي أوجدها الله في الذّات البشريّة.
وعليه العلاقة بين التّكوين والتّشريع علاقة تلازميّة، فالتّشريعات جاءت لحفظ الجانب التّكوينيّ، ولغاية تحقيقه، ومنه كرامة الإنسان!!
ولهذا يمكن اللّجوء إلى حلول أكثر مرونة كالحوار والمجادلة بالّتي هي أحسن، أو المواجهة بالدّليل والبرهان؛ لأنّ السّجن تقييد لجانب تكوينيّ في الإنسان، ولا يلجأ إليه إلا في أضيف الظّروف وفق القانون المرتضى من الجميع!!
ولو شاء الله لجعل أوصياء يدافعون عنه أو عن كتابه أو عن رسوله أو عن دينه، ولكنه جعل الفكرة والبرهان مع الأسلوب الحسن من يدافع عنه، وليس التّضييق والإقصاء، ولهذا لما اختلف مع أهل الكتاب قرر: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، فاليهود شبهوا الله بخلقه، وزعموا أن يعقوبا صارع ربه فغلب خالقه، وأنّ لوطا زنا بابنتيه، وأن سليمان تعمّد قتل رئيس جنده ليتزوج زوجته، وأنّ العديد من النّصارى قالوا المسيح ابن الله، وأنّ المسيح إله في صورة بشر، ومع هذا قرر: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وفي الدّنيا الكلّ سواسيّة وفق العدل الدّنيويّ دون إقصاء ولا تمييز: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}!!
ولهذا أرى الحكم على عبد الله حبيب، الكاتب والسّيميائيّ العماني الشّهير، مع تحفظي ممّا قاله مثلا عن رمضان والصّيام، وكان يمكن مواجهته بالدّليل والبرهان؛ أرى الحكم عليه بالسّجن ليس من العدل والحكمة بمكان، مع أنّه لم نر من ردّ عليه علميّا ومنهجيّا، ولا يكاد انتشر كلامه رأسا؛ ولم يؤدِ إلى فتنة دينيّة مثلا يخشى منه ينتج عنه اضطراب أهليّ في المجتمع، إلا أنّه فكرة طرحها كان يمكن أن تواجه بفكرة أخرى، وكفى الله المؤمنين القتال!!
أمّا أن يؤدي إلى تقييد حريته وسجنه، فأرجو من الجهات المختصة إعادة النّظر، كما أنني أرجو إعادة النّظر فيما يسمى بازدراء الأديان، حتى لا يستخدم سلبا لأغراض يمينيّة متعصبة، أو لأغراض شخصيّة أو سياسيّة تحت مسمى الدّين، والدّين في غنى عنه، والله أوسع حلما ورحمة بالعباد فيما يتعلّق به، وليس بحاجة إلى أوصياء ينوبون عنه، وما لم يهدد السّلم المجتمعيّ، خاصة ونحن في الجملة مسلمون، ولا توجد أديان أخرى إلا أفرادا أو جماعات صغيرة عن طريق التّجنس أو السّياحة أو التّجارة، وعليه لو كان ازدراء المذاهب لكان أكثر واقعيّة، ومع هذا لا يكون حتى الأخير مفتوحا إلا بما يهدد السّلم والتّعايش المجتمعيّ، لا فيما يتعلّق بنقد الفكرة علميّا ومنهجيا!!!
فيسبوك 1439هـ/ 2018م