هناك خلل في البنية التراثية التي تُلقى في العقل المسلم والعربي، ثم التنصل منها بدعوى الخوارج، فيقتل هذا ذاك لأنه خارجي، ويرد الآخر بذات الأسلوب مستخدما ذات التهمة واللقب.
وبعدما يقع الفأس نحاول التنصل بدعوى المؤامرة، في حين هذا الفكر الذي يُصنع به هؤلاء في مساجدنا ومعاهدنا سوف يخرّج لاحقا عشرات من هذه الجماعات، والتي مع الاستبداد السياسي في الوطن العربي، والجو الطائفي يكون انحرافها أشدّ وأطغى.
والمشكلة عندما يكون العقل العربي ضحية صنعتها السياسة قبل أكثر من ألف عام ونسبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأمرت بقتل مخالفيها قتل عاد!!!
والسؤال الآن: من يقتل هؤلاء؟ ومن هم؟ وما صفاتهم، هنا سيمارس كل الأطراف قتل الآخر مستندا إلى ذات الرواية؟!!!
ولنأت الآن إلى أشهر روايتين في الخوارج الأولى من طريق علي بن أبي طالب [ت 40 هـ] ونصها: “إذا حدثتكم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديثا فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: يأتي في آخر الزمان قوم، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة”[1].
ففي هذه الرواية: فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة … هكذا تبيح الروايات السياسية قتل المخالف وله من الأجر في سفك الدماء … والإشكالية عندما تلقى للعامة هكذا، ويتقبلها العقل الفارغ، ليسقطها في الواقع الفارغ أيضا…
والرواية الثانية تقول: “إنّ من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد”[2].
تشير هذه الرواية إلى: لأقتلنهم قتل عاد … وبالتالي قتل الخارجي سنة نبوية من خلال الإشارة إلى أنه لو كان حيا لقتلهم قتل عاد، فهو تطبيق واقتداء لأمر النبي – عليه السلام -.
ثم من التناقض العجيب فيمن يتحدث عن الخوارج: أنه في بداية الحديث يبين أنّ الخوارج يكفرون المسلمين، ويستبيحون الدماء!!! ثمّ ينكر هذا؛ إلا أنه يختم حديثه بقوله: بجواز – أو وجوب قتلهم – لأنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، ومنهم من يكفرهم ويصفهم بكلاب أهل النار!!! والسؤال: ما الفرق بينهم هنا في التكفير وإباحة الدماء والحكم بالنار!!!
فلو أتينا إلى داعش والقاعدة وخطاب الدعاة والعلماء في الوقت الراهن، هل هذا الخطاب، ونقل مرويات صنعت قديما وإسقاطها اليوم هو الحل، أم أنّ الأزمة ليست في الخوارج ولا في روايات الخوارج بقدر ما تكون الأزمة في أمرين: الأول التراث الذي ندافع عن أخطائه، فمنه خرج هؤلاء، وبه يستند هؤلاء، في حين أننا عاجزون عن غربلة التراث وعرضه على القرآن، والعيش مع الواقع كواقع!
الثاني: لا توجد مؤسسات صادقة في غربلة هذا التراث، وبالعكس كل من حاول نقده قرآنا وعقلا يتعرض لأقسى أنواع التهم، وقد يتعرض للمضايقة الشخصية والعملية، ومعظم القنوات الإعلامية حتى الرسمية لا زالت رهينة لأصوات مغالية لترضي الساسة أو العامة، في حين الأصوات الأخرى الناقدة قليلة ونادرة.
فعندما نبكي على مرويات الخوارج سنجد من السياسيات من ستفتك حتى بمن تغنى اليوم بالخارجية بأنّ هؤلاء خوارج، كما أنّ هذه الجماعات نفسها سوف تفسد في الأرض بدعوى أن خصومها خوارج!!! وسيقتل هذا أخاه لأن هذا الطرف يتهم ذاك بالخارجية، وقتله أكبر قربة، وتطبيقا لأمر النبي عليه السلام!!!
أتصور أننا اليوم بحاجة إلى مراجعة الذات، ووجود مؤسسات تبتعد قليلا عن الالتصاق بالمؤسسات السياسية الرسمية، وتبتعد عن الشعوب، وتقف مع المعرفة والشهادة لله تعالى، والانطلاقة القرآنية، فقد سأمت هذه الأمة جراحا وسفكا للدم، ولنميت التاريخ الذي يفرق، ولتطلّقه الأمة بلا رجعة، ولتبدأ حياتها مواصلة لتاريخ يجمع ولا يفرق، ويحفظ ولا يشتت، ويرفع ولا يخفض، ويقوي العلم والمعرفة والعدل والحرية، لعل الأمة تتنفس وتبدأ حياتها في جوٍ يتعامل مع الإنسان كإنسان، تحت قيم القرآن الرامية إلى العلم والعدل والتطور البشري، واحترام الذات الإنسانية.
صحيفة أثير، 1436هـ/ 2017م.
[1] أخرجه البخاريّ من طريق عليّ، حديث رقم: 3611.
ينظر: البخاريّ: أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل؛ صحيح البخاريّ، مصدر سابق، ص: 690.
[2] أخرجه البخاريّ من طريق أبي سعيد الخدريّ، حديث رقم: 7432.
ينظر: البخاريّ: أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل؛ صحيح البخاريّ، مصدر سابق، ص: 1415 – 1416.